152

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

((ثم انحرف الأمر واتسع ، ثم رذل الأمر بالشرق والغرب جدا ، حتى تسمى هذه الأسماء السماسرة ورذالات الناس ليرى الله عز وجل هوان ما تنافسوا عليه، وغالوا به، وصح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حقيق ألا ترفع الناس شيئاً إلا وضعه الله"، واستبان أن الحقيقة هي العمل لله عز وجل، والعدل في البلاد، والعمل بمكارم الأخلاق، وحمل الناس على الكتاب والسنة، فذلك لا يقدر عليه سخيف ولا يطيقه ضعيف. وبهذا يتبين فضل القوي على الساقط الهين، لا بأسماء يقدر على التسمية بها كل خسيس واهن، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل(١).

وهكذا تراه يسير في استقراء الألقاب الفخمة التي كان يشغف بها الولاة ثم كيف انحدرت تلك الألقاب بانحدار منتحليها، ثم يحكم الحكم الذي يجيء نتيجة لذلك الاستقراء.

١٩١ - هذه إشارة إلى المنهاج العقلي الذي كان يلتزمه في مجادلاته. وفي بحوثه العقلية الخالصة التي لا يعتمد فيها على نص من القرآن والسنة، أو أثر من آثار الصحابة أو التابعين، بل يعتمد فيها على العقل المجرد، وإن هذا المنهاج كان يتبعه في أمرين:

أولهما: عند مناقشته للخارجين على الإسلام كاليهود والنصارى وغيرهم من الفلاسفة، فقد يعتمد على العقل المجرد، ورد المقدمات مسلسلة إلى البداية التي تقرها العقول المستقيمة، ويراها هو الطرق القويمة لإدراك الحقائق وفهمها، وقد كان مع ذلك المنهاج العقلي المستقيم يعتمد على الإفحام والإلزام ببيان التناقض في أقوالهم، والرد عليهم من كتبهم أو مما يقرره علماؤهم.

وثاني الأمرين اللذين يعتمد على العقل المجرد - هي الدراسات الخلقية وأحوال النفوس وأمراضها، وأسقامها، وطرق علاجها، فقد كان يعتمد على العقل والاستقراء، وشأنه في ذلك كشأن الطبيب الذي يجرب الأعشاب المختلفة ويحللها، ثم ينتهي من تحليلها باستخراج دواء للأدواء التي درسها

(١) نقط العروس ص ٨٦ المنشور بمجلة كلية الآداب، المجلد الثالث عشر، الجزء الثاني، إخراج الدكتور شوقي ضيف.

152