147

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

صحة موت من مات، وولادة من ولد، وعزل من عزل، وولاية من ولى، ومرض من مرض، وإفاقة من أفاق، ونكبة من نكب، والبلاد الغائبة عنا، والوقائع والملوك، والأنبياء عليهم السلام، ودياناتهم، والعلماء وأقوالهم والفلاسفة وحكمهم.

١٨٤ - هذه البدهيات التي سماها علم النفس هي التي كان يرد إليها أقواله في مجادلاته العقلية، لأنه يرى أن تلك البدهيات هي الأساس الذي قام عليها علم الإنسان، وهي مظهر الخاصة العقلية التي امتاز بها الإنسان على سائر الحيوان، ويرى أنه لكيلا يضل تفكيره العقلي يجب عليه أن يردد دائماً معلوماته إليها ويختبرها بهذه الموازين المضبوطة التي لا تقبل الشك، ولذلك يجب رد المقدمات المنطقية إليها دائماً.

وإن خطأ الفكر، واختلاف العلماء حول المدارك العقلية ليس منشؤه اختلافهم في هذه البدهيات، إنما منشؤه بعد ما يختلفون فيه عن تلك البدهيات فقد تطول المقدمات وتكثر حتى يصعب ردها إلى هذه البدهيات، ومثال ذلك الحساب، فإنه كلما كثرت أرقامه كانت الحسبة مظنة الخطأ، واختلاف النتائج، وكلما قلت الأرقام كانت أبعد عن الخطأ، ولم يكن ثمة اختلاف في النتائج، فلم تختلف الأنظار، ويقول في ذلك رضي الله عنه:

لا سبيل إلى الاستدلال ألبتة إلا من هذه المقدمات (أي البدهيات) ولا يصح شيء إلا بالرد إليها، فما شهد له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن، وما لم يشهد له بالصحة فهو باطل ساقط، إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب، وقد يكون من بعد، فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم، وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفهم القوي الفهم والتمييز، وليس ذلك مما يقدح في أن ما يرجع إلى مقدمة من المقدمات التي ذكرناها حق، كما أن تلك المقدمة حق، لا فرق بينهما في أنهما حق، وهذا مثل الأعداد، فكلما قلت الأعداد سهل جمعها، ولم يقع فيها غلط، حتى إذا كثرت الأعداد وكثر العمل في جمعها صعب ذلك، حتى يقع

147