146

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

قسراً بكى ، وقال كلاماً معناه دعنى أذهب علماً منه بأنه لا يكون فى المكان الذي يريد أن يذهب إليه ما دام فى مكان آخر ، ومن ذلك علمه بأنه لا يكون الجسمان فى مكان واحد . فإنك تراه يتنازع على المكان الذي يريد أن يقعد فيه علماً منه بأنه لا يسعه ذلك المكان مع من فيه .. وإذا قال له ناولني ما فى هذا الحائط ، وكان لا يدركه قال: لست أدركه، وهذا علم منه بأن الطويل زائد على مقدار ما هو أقصر منه، وتراه يمشي إلى الشيء الذي يزيده ، ليصل إليه ، وهذا علم منه بأن ذا النهاية بحصر ويقطع بالعدو ، وإن لم يحسن العبارة بتحديد ما يدري من ذلك ، ومنها علمه بأنه لا يعلم الغيب أحد ، وذلك أنك إذا سألته عن شيء لا يعرفه أنكر ذلك ، وقال لا أدري ، ومنها فرقه بين الحق والباطل ، فإنه إذا أخبر بخير تجده فى بعض الأوقات لا يصدقه ، حتى إذا تظاهر عنده مخبر آخر ، وآخر صدقه وسكن إلى ذلك ، ومنها علمه بأن الشيء لا يكون إلا فى زمان ، فإنك إذا ذكرت له أمراً ما ، قال متى كان ؟ ويعرف أن للأشياء طبائع وماهية تقف عندها ، ولا تتجاوزها ، فنراه إذا رأى شيئاً لا يعرف، قال أى شيء هذا؟ فإذا شرح له سكت ، ومنها علمه بأنه لا يكون فعل إلا لفاعل ، فإذا رأى شيئاً قال من عمل هذا ، ولا يقنع ألبتة بأنه عمل دون عامل .. ومنها معرفته بأن فى الخبر صدقاً وكذباً ، فتراه يكذب بعض ما يخبر به ، ويصدق بعضه ، ويتوقف فى بعضه ، وهذا كله مشاهد من جميع الناس فى مبدأ نشأتهم)) (١).

وهكذا يسترسل ابن حزم فى سرد البدهيات التى يسميها علم النفس . ويجعل من ذلك علم الإنسان بأن علم الغيب لا يتعارض . فإنه إذا جاء إنسان يخبر وسرده، ثم جاء ثان لم يلق بالأول وسرده كالأول تماماً صدقه، وإن اختلف خبر الثانى عن الأول فى واقعة واحدة لم يصدق كليهما ويقول فى ذلك :

فكل ما نقله من الأخبار اثنان فصاعدا مفترقان، قد أيقنا أنهما لم يجتمعا. فلم يختلفا فيه فبالضرورة يعلم أنه حق متيقن مقطوع به على غيبة وبهذا علمتا.

(١) الفصل = ١،ص ٥.

146