Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
Your recent searches will show up here
Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Publisher Location
القاهرة
١٧٣ - هذه حياة ابن حزم، وذلك عصره، وتلك سجاياه ومواهبه، والفرص التي واتته، والمهيئات التي هيأته، نشأ في بيت اعتز به، وسمق في المجد، فكان متجهاً منذ نشأته إلى معالي الأمور، ولم يتجه إلى سفسافها، ووجد أباه مثلاً صالحاً للقدوة، وجده رجل جد، يبني مجد أسرته بيديه، فاحتذى حذوه، ولم ير أن يكون هادماً ما بناه أبوه من مجد أسرته، ولكن أباه كان وزيراً في دولة قائمة العمد ثابتة الأركان، مستقرة الأحكام، ولم يجد هو في السياسة التي عاصرها استقراراً، بحيث يسير على منهاج أبيه، بل إن الزعازع السياسية ابتدأت في آخر حياة الأب، وقد فارق الدنيا في ضجيجها، وترك ولده الغض الإهاب، المترف الذي نشأ في نعيم الحياة، ليكتوي بنارها، ويصطلي حرها. فكانت سبباً لكمال تربيته، وإرهاف إرادته، وتقوية عزيمته، فاجتمع عز البيت، وصقل الحياة والتجربة، وبذلك ذاق حلو الحياة ومرها، فاشتار عسلها، وذاق حنظلها، فكان صلب العود، وقوي النفس يعلو على الأحداث، ولا تغمره الأحداث، يعيش في صلب الحياة متميزاً متحيزاً له مكاناً يتسع لمجده، غير داخل في غمار الناس، ولا داخل في غمار العلماء، ولا مندغم في أحد من الحاضرين أو الغابرين، بل كان الشخصية الفذة التي تملي على غيرها ولا تستملي من غيرها.
١٧٤ - ولكن لما وجد طريق المجد في السياسة مدعثراً مضطرباً اتخذ العلا سبيلاً، قصده ابتغاء وجه الله، وصفى نفسه، وأخلص للحقيقة، وسار في طلبها بمصباح من الكتاب والسنة والعقل القوي المستقيم، والأفق الواسع، والنفس المدركة، والبصيرة النافذة، فلم ينل مجد أبيه فقط، بل سجل في الخلود اسمه، وأثبت للناس تلك الحقيقة، وهي أن كل جاه يفنى إلا جاه العلم وطلب الحقيقة، وأن ما يتصل بالمادة عرض زائل، وظل
173