138

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

حائل، أما ما يتصل بالفكر والروح وحقائق هذا الوجود فهو باق ما بقي الإنسان يدرك ويتطلع إلى معرفة الحقائق في الدين والخلق وأمور النفس. وباق ما بقي للإنسان عقله الطلعة الذي يعلم ما انتهى إليه علم الأقدمين. ويضيف إليه أبواباً لم يعلموها، ويكشف عن حقائق لم يكشفوها.

١٧٥ - ولقد أوتي ابن حزم مدارك عالية، ومواهب سامية، وكانت أحوال مواتية، فتفرغ للعلم وانصرف إليه، ولقد حاول أن يخدم دينه في السياسة، وهو في وسط نور العلم، فوجد السياسة متعكرة، وأحوالها مضطربة، وأنها فتن والفتن دائماً القائم فيها خير من القاعد، والقاعد خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فلم يجد فيها إلا ذلك الظلام الدامس وأحداثاً كقطع الليل المظلم فتركها وشيكاً، وعاد إلى النور، نور العلم يستضيء به فأضاء له ومشى فيه، حتى صار عالم الأندلس حقاً، إذا ذكر اقترنت به، وإذا ذكرت الأندلس عند العلماء سبق اسمه إليهم.

١٧٦ - ولقد كان العصر في الأندلس عصر علم حقاً، فالأمراء منهم العلماء ومن لم يكن عالماً اجتهد أن يكون بيته وعاء العلم، فاقتنى الكتب، اتخذ منها زينة قصره، يفاخر باقتنائها وقبل عصره التقى علم الشرق بعلم الغرب، فكان العلماء يفدون على الأندلس، وكتبهم تسبقهم إليها، وعلماء الأندلس يذهبون إلى الشرق ليتزودوا من زاده، وينهلوا من معارفه. وقد اطلع ابن حزم على علوم الإسلام ما بين مبسوط، ووسيط، ومختصر، وأقبل على مائدة العلوم بعقل يستوعبها، وقلب يدركها. وخرج من بين ما درس بطريقة شغل الناس بها؛ وامتاز بلون من الفكر وإن كان أصله فيما قرأ، فهو في مجموعه صورة من مزاجه الفكري اختص بها، ولقد أرهف مدركه، وكشفت مواهبه - كثرة النضال، وشدة النزال، وإرادة كيده، وإنزال الأذى به. فازدادت مداركه احتداماً، حتى أنه ليذكر أن أكثر تأليفه وتصنيفه كان نتيجة لذلك الاحتدام، ولهذا الاصطدام. وإذا كانت كتابته نتيجة لذلك، فأكثرها في لفتة صورة من ذلك النضال. وقد آن لنا أن نترك ذلك إلى القول في علمه، وهو الهدف والقصد والغاية والله ولي التوفيق.

138