225

Al-ḥujaj al-muqniʿa fī aḥkām ṣalāt al-jumʿa

الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة

والحاصل: أن وجوب الجمعة قد ثبت بأدلة قاطعة، وبراهين ساطعة، وسقوطها في بعض الأحيان لا يكون إلا بمثلها، وليس معنا هنا خبر مرفوع صحيح صريح، فضلا عن كون المسقط قطعيا، فكيف يترك ما دل عليه الكتاب والسنة المتواترة والإجماع بمثل هذه الروايات الواهية؟! على أنها لو صحت لكان للكلام فيها مجال واسع، وأحسن ما تحمل عليه تلك الأحاديث -على تقدير صحتها، وإن كان دون تصحيحها أو تحسينها مفاوز ملتوية، وطرائق متشعبة، وعقبات شامخة كما رأيت- أن يقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رخص في ترك الجمعة لمن كان خارج الفرسخين، وذلك لعدم وجوبها عليهم، لا للاكتفاء بصلاة العيد، بدليل ما رواه البخاري (¬1) عن عثمان أنه قال في خطبته: "يا أيها الناس إن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له"، اه. وهذا لا إشكال فيه، لأن الجمعة لا تلزم من كان خارج الفرسخين، كما هو مقرر في محله.

الأقوال في المسألة:

هذا وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب أصحابنا والجمهور إلى وجوب الجمعة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والظاهرية. قال ابن حزم في المحلى: "وإذا اجتمع عيد وجمعة يصلى للعيد ثم للجمعة ولا بد، ولا يصح أثر بخلاف ذلك". وذهبت الحنابلة إلى الاكتفاء بصلاة العيد عن الجمعة، ونسب إلى بعض الصحابة ولم يثبت عن أحدهم من طريق تقوم بها حجة، وأقوى تلك الطرق ما جاء عن ابن الزبير، وقد رأيت ما فيها. وذهب بعضهم إلى الاكتفاء بصلاة العيد عن صلاة الجمعة والظهر، وهو قول عليل، ودليله كليل كما تقدم بيانه.

والقول الأول هو الحق الحقيق بالقبول، وذلك لستة وجوه:

أولها: لقوة أدلته، وسطوع براهينه، وضعف أدلة مخالفيه، وتعارضها وتضاربها كما رأيت.

¬__________

(¬1) - صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منه، ر5251، 05/2116./م أ.

Page 226