223

Al-ḥujaj al-muqniʿa fī aḥkām ṣalāt al-jumʿa

الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة

قلت: ومع هذا التحقيق لا أدري لماذا يحتجون بمثل رواية ابن الزبير هذه؟

وقال العراقي: "إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافة. قال: وإنما روي عن عمر وعثمان وابن الزبير، ولم يصح عنهم. قال: والصواب أن أول من فعله مروان في خلافة معاوية، كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري. قال: ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة؛ لا عن عمر، ولا عن عثمان، ولا معاوية، ولا ابن الزبير"، اه.

وقال ابن العربي: "يقال أول من قدمها عثمان، وهو كذب لا يلتفت إليه"، اه.

ولغيرهم من العلماء كلام طويل مما يدل على ما ذكروه، لا نطيل المقام بذكره، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينسب إلى ابن عباس، وهو أحد رواة حديث أن الخطبة بعد الصلاة، كما في الصحيحين وغيرهما أنه قال لمن خطب قبل الصلاة: أصاب السنة؟ مع أن السنة تنادي بأعلى صوت بأن الخطبة بعد الصلاة، وهذا يكفي للحكم على الحديث بالبطلان ولو صح إسناده، لأن الشاذ من قسم الضعيف كما هو مبين في مصطلح الحديث، فكيف وإسناد الحديث ليس بذلك القوي كما بين ذلك غير واحد من أيمة المحدثين؟!

ومما يقوي الحكم على هذا الحديث بالشذوذ أو النكارة قوله في الحديث: «فصلوا وحدانا»، ومن المعلوم المتقرر أن صلاة الجماعة فريضة على الأعيان بالاتفاق على من كان داخل المسجد كما ذكر ذلك غير واحد، وعلى الصحيح على من كان خارجه كما بيناه في غير هذا الموضع، فكيف يصلون وحدانا؟! وأيضا لماذا لم يبين لهم ابن الزبير ذلك عند الانتهاء من صلاة العيد؟! على أن أكثر القائلين بسقوط الجمعة بصلاة العيد يقولون: إنها لا تسقط عن الإمام، إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة، لأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه، وقد حكى بعضهم الاتفاق على ذلك، فصنيع ابن الزبير وقع على خلاف هذا الإجماع، فكيف يصح الاحتجاج بمثل هذا الفعل المخالف للإجماع؟!

Page 224