209

Al-ḥujaj al-muqniʿa fī aḥkām ṣalāt al-jumʿa

الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة

وكما أن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- لم يستدلوا بعدم الأمر بإقامتها في عهده -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد خليفته الأول - رضي الله عنه - في غير المكان الذي كانت تقام فيه فلا يمكن لغيرهم أن يستدل بإجماع الصحابة على ترك إقامتها في غير الأمصار التي صلوها فيها، لأن ذلك الترك في حقيقة الواقع ليس إجماعا على ترك إقامتها فيمالم تقم فيه، وإنما يعتبر إجماعا على مشروعية إقامتها فيما أقيمت فيه مع عدم التعرض لغير تلك المواطن بنفي ولا إثبات. إلا أن إثبات جواز الزيادة يؤخذ من زيادتهم على ما كان عليه الأمر في عهد الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعهد خليفته الأول -رضي الله تعالى عنه- كما قدمنا. فإن قيل: لو كان التعدد في المصر الواحد جائزا لما تركوا الأمر بتعددها، وإلا لكانوا تاركين للأمر بفرض واجب، وحاشاهم عن ذلك؛ قلنا: لا تكون صلاة الجمعة فرضا واجبا إلا عندما يؤمر بها، أما قبل ذلك فلا، وهذا أمر واضح لا يخفى على من يعرف الحجة ويفقه معنى الاستدلال، على أن هذا الاعتراض لو كان له نصيب من الصحة لوجب أن يوجه إلى الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- بسبب عدم أمرهم بإقامتها في الأمصار السبعة أو الثمانية في عهد الصديق - رضي الله عنه - ، وما أجيب به عن ذلك أن لو وجهه أحد فهو جوابنا عن اعتراضكم هذا، والله تعالى أعلم.

فإن قيل: إن بعض العلماء قد احتج على عدم جواز التعدد بدليلين، أحدهما ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «لا جمعة ... إلا في مصر جامع»، وحديث «أربع إلى الولاة» وذكر منها الجمعة. وثانيهما أن صلاة الظهر فرض باتفاق، والجمعة مختلف فيها -أي في غير المواضع المجمع على إقامتها فيها- ولا يجوز ترك المتفق عليه لأجل المختلف فيه.

Page 209