كتاب المنصف لابن وكيع فقد رجحنا أن يكون مما ألف بعد سنة ٣٨٠ وإذا كان الجرجاني قد أطلع عليه، فيكون تاريخ الوساطة مما تأخر تأليفه، وهنا قد يجوز لنا أن نفترض أنه ألف بعد وفاة الصاحب، ولدينا في المنصف نص يكاد يتكرر في الوساطة، ففي المنصف عند قول المتنبي:
جللًا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح " هذا بيت فيه عيوب منها: حذف النون من يكن لأنها قوية بالحركة اللازمة لالتقاء الساكنين، وعيب آخر أنه حذفها مع الإدغام وهذا غير معروف، لأنه قيل في بني الحارث بلحارث ولم يقل في بني النجار بلنجار، وها هو قد قال: فليك التبريح فحذف مع الإدغام، ولم يكن علمه بالعربية طائلًا؟ وفي البيت عيب ثالث: وهو تباعد نصفه من نصفه حتى لا جوار بينهما فضلًا عن المناسبة ولا تعلق لهما بشيء غير المقارنة " (١) وقال الجرجاني: " فمما أنكره عليه أهل العلم واستضعفوه قوله (جللًا كما بي؟ البيت) فقال أهل الإعراب: حذف النون من تكن إذا استقبلها اللام خطأ؟ وأنكر أصحاب المعاني قطع المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى؟ " (٢) فإذا لم يكن هذا محصولًا عامًا للنقد الذي دار حول المتنبي في دور مبكر ثم أخذه الجرجاني وأبن وكيع، كل على حدة، فإن أحد الرجلين قد أخذ من الآخر، وليس القول بأسبقية المنصف أحق بالقبول من القول بأسبقية الوساطة في الزمن.
(١) المنصف: ١٦٠/ب - ١٦١ كى أ.
(٢) الوساطة: ٤٤١.