الحاجة ملحة إلى الناقد المعتدل
غير أن الكتب التي ألفت قبل الوساطة، إذا لم تستطع أن توحي بأن الجو كان مهيأً للتوفيق والمصالحة، فإنها لا تنفي أن الجو العام - وعلى الأخص جو المجادلات الشفوية - كان خير تربة صالحة لنمو الناقد المعتدل؛ ونحن نستأنس هنا بشهادة القاضي الجرجاني نفسه، فهو رجل مصدق لأنه يحب أن يأخذ بأسباب النزاهة؛ فالجرجاني يحدثنا أنه منذ أن خالط أهل الأدب وجد الناس في المتنبي فريقين، يكاد التوفيق بينهما يعد صيحة في واد: " من مطنب في تقريضه منقطع إليه بجملته منحط في هواه بلسانه وقلبه يلتقي مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم، ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم، ويعجب ويعيد ويكرر ويميل على من عابه بالزراية والتقصير، ويتناول من ينقصه بالإستحقار والتجهيل؟ وعائب يروم إزالته عن رتبته فلم يسلم له فضله، ويحاول حطه عن منزلة بوأه إياها أدبه، فهو يجتهد في إخفاء فضائله وإظهار معايبه وتتبع سقطاته وإذاعة غفلاته " (١) .
أهل الاعتذار
كلا الفريقين كان يحمل للمتنبي اتهامًا، فأهل الانتصار يرفعون المتنبي إلى منصة العصمة، ويخرجونه من نطاق الإنسان الذي يجوز عليه الخطأ، وأهل الإستحقار ينفونه من نطاق الأديب الذي يجوز له الفضل؛ فالموقف يتطلب فريقًا ثالثًا يسمى " أهل الاعتذار "، يردون الشاعر إلى القطيع الإنساني ويعودون به إلى الحظيرة. وقد كان ذلك سهلًا على الناقد إذا كان قاضيًا عادلًا، وسهلًا على القاضي إذا كان ناقدًا ضليعًا. وكان التوفيق عودة إلى ظلال الهدوء، وإيمانًا بالوسط الذهبي في الفضيلة، وإحقاقًا للطبيعة الإنسانية في أرتفاق المحاسن والمساوئ، وعودة إلى مبدأ " ي الرجال المهذب؟ ". ولكن التوفيق يبدأ بالقول: " أي الشعراء لم يغلظ " ويتدرج منه إلى التسليم
(١) الوساطة: ٣.