302

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

المنافقون، وكيف يستأهل المنافقون أن تنزل آيات في توبتهم وعفو الله عنهم؟!.
ثم إن المنافقين محكوم عليهم- على أي حال- أنهم كفرة، ولن ينشلهم شيء مما يتظاهرون به في الدنيا، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة، وقد أمر الشارع ﷻ أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام، كما يبدون لنا هم أيضا، الظاهر فقط من أحوالهم، وعقائدهم.
قال ابن القيم: «وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات حرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده، بأدنى زلة وهفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا. وأما من سقط من عين الله وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة» «١١٢» .
واعلم أن في حديث كعب الطويل الذي ذكرناه عبرا ودلالات هامة نذكر منها ما يلي:
أولا: مشروعية الهجر لسبب ديني، فقد نهى النبي ﷺ المسلمين عن مكالمة كعب وصاحبيه طوال تلك المدة، قال ابن القيم: «وفيه دليل أيضا على أن ردّ السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب» «١١٣»، إذ كان مما قاله كعب: «فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين.. وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟» فلو كان ردّ السلام عليه واجبا لكان لابدّ من إسماعه.
ثانيا: وابتلاء آخر امتحن الله به كعبا ﵁، ومن الجدير التأمل فيه لتعلم كيف ينبغي أن يكون إيمان المسلم بربه ﷻ. فقد رأيت أن ملك غسان أرسل إليه معظما ومبجلا يدعوه إلى ترك هؤلاء الذين آذوه وأعرضوا عنه، واللحاق ببلاده، ليجد عنده الإكرام والسعادة، وكان قد بلغ الكرب إذ ذاك بكعب أشده، ولكن هذا الابتلاء لم يكشف إلا عن المزيد من إيمانه بربه وشدة إخلاصه ومحبته له.
وكم من أقدام زلت، وتزل اليوم، في هذا المنزلق الذي وضع أمام كعب ﵁ لابتلائه به واختباره، فمرّ من فوقه عزيزا قويا بإسلامه، لم يتأثر به ولا انزلق فيه.
ثالثا: سجود الشكر لله تعالى عبادة مشروعة، دلّ عليها سجود كعب ﵁ حينما سمع صوت المبشر بتوبة الله عليه. قال ابن القيم: «وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب، وسجد عليّ بن أبي طالب لما وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج، وسجد رسول الله ﷺ حينما بشره جبريل أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا» «١١٤» .

(١١٢) زاد المعاد: ٣/ ٢٠
(١١٣) المرجع السابق: ٣/ ٢٠
(١١٤) المرجع السابق: ٣/ ٢٢

1 / 307