303

Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

Publisher

دار الفكر

Edition

الخامسة والعشرون

Publication Year

١٤٢٦ هـ

Publisher Location

دمشق

رابعا: ذهب الحنفية، ما عدا زفر، إلى أن الرجل إذا نذر ماله كله صدقة على المساكين، لم يلزمه التصدق إلا بالأموال الزكوية فقط، ولهم أدلة على ذلك، لعلّ من جملتها ما أجاب به رسول الله ﷺ كعبا حينما قال له: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقد قال له: أمسك عليك بعض مالك» .
والذين ذهبوا إلى أن كلّ ماله يصبح صدقة إذا نذره كله، قالوا: إن قول كعب لرسول الله ﷺ ليس في حقيقته إنشاء لصيغة نذر، ولكنه استشارة له ﵊، فأخبره ﷺ أن بعض ذلك يجزيه «١١٥» . ولعل هذا هو الأقرب في فهم سياق كلام كعب ﵁ وجواب الرسول ﷺ له.
حج أبي بكر ﵁ بالناس سنة تسع
لما قفل رسول الله ﷺ عائدا من تبوك، أراد الحج، ثم قال: «إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل أبا بكر ﵁ وأردفه بعليّ ﵁، ينهيان المشركين عن الحج بعد ذلك العام، ويعطيانهم مهلة للدخول في الإسلام أربعة أشهر، ثم ليس بينهم وبين المسلمين إلا القتال.
روى البخاري في كتاب المغازي عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق ﵁ بعث في الحجة التي أمّره عليها النبي ﷺ، قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: «لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» .
وروى محمد بن كعب القرظي وغيره أن النبي ﷺ بعث أبا بكر أميرا على الموسم سنة تسع من الهجرة، وبعث علي بن أبي طالب بثلاثين أو أربعين آية من براءة، فقرأها على الناس، يؤجل المشركين- أي يمهلهم- أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة، أجّلهم عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: «لا يحجّنّ بعد عامنا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان» .
وروى الإمام أحمد عن محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو مدته أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد عامنا هذا مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي» .

(١١٥) راجع المبسوط للسرخسي: ١٢/ ٩٣، وزاد المعاد لابن القيم: ٣/ ٢٣، وضوابط المصلحة للمؤلف: ٢٤٤ و٨٤ م

1 / 308