Fiqh al-sīra al-nabawiyya maʿa mujiz li-tārīkh al-khilāfa al-rāshida
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
Publisher
دار الفكر
Edition
الخامسة والعشرون
Publication Year
١٤٢٦ هـ
Publisher Location
دمشق
Regions
Syria
ويعتبر الخاضعون لحكم الجزية داخلين في حكم الإسلام القضائي في المجتمع الإسلامي وإن لم يدينوا به عقيدة في نفوسهم. ولذلك فإن عليهم أن لا يجاهروا في مخالفة شيء من قوانينه وأحكامه العامة إلا ما يتدينون من ذلك بخلافه في زعمهم كشرب الخمر ونحوه.
هذا، والفرق بين الكتابيين وغيرهم من الملاحدة والوثنيين، في أمر الجزية، هو أن الكتابيين يمكنهم أن ينسجموا مع المجتمع الإسلامي ونظامه العام مع احتفاظهم بما يدينون. أما الملاحدة والوثنيون وأشباههم فلن تجد بينهم وبين المجتمع الإسلامي قدرا مشتركا يضمن الانسجام، إذ لا يمكن لفكرة الإلحاد والوثنية أن تلتقي مع الحكم والنظام الإسلامي في أي فرع من الفروع، لقيام التناكر والتخالف بينهم في أعمق الأسس والجذور.
٥- يدلنا ما ذكره رسول الله ﷺ عندما مرّ بمنازل ثمود أنه يكره للمسلم أن يدخل ديار الأمم الخالية ممن أهلكهم الله بكفرهم أو أن يمر على شيء من آثارهم، إلا وهو معتبر بحالهم يتأمل في مآلهم يسأل الله تعالى العافية والرحمة له وللمسلمين. إذ هي منازل شهدت مظهرا من غضب الله تعالى، وسجّلت على أطلالها آثار من ذلك الغضب، فهي باقية عليها مع الدهر، ولا ريب أن الله ﷿ إنما ترك هذه الآثار في الأرض لتكون عبرة لأولي البصيرة والألباب، كما أوضح ذلك في كثير من آياته. فمن الخطأ الكبير أن يمرّ الإنسان عليها ساهيا لاهيا، لا يعبأ منها بغير مظهر الشكل أو البناء والنقوش.
وكم في الأرض من عبر وعظات من هذا القبيل، تظل تدوي بلسان حالها على أسماع الناس أن اعتبروا يا أولي الأبصار، ولكن الناس لا يستمعون منها إلا إلى ما يوسوس إليهم شياطينهم على ألسنتها، ولا يقبلون منها إلا على مظاهر الفن والقيمة الأثرية والتاريخية! ..
٦- وعلينا الآن أن نتأمل في الفرق بين سياسته ﷺ مع المنافقين وسياسته مع أصحابه المؤمنين الصادقين.
لقد تخلف- كما رأيت- كثير من المنافقين عن هذه الغزوة، وجاؤوا يعتذرون له ﷺ بشتى الأعذار المختلفة، ومع ذلك فقد صفح عنهم وقبل علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله ﷿.
وتخلف عدد يسير من المؤمنين من غير ريبة ولا نفاق، ثم جاؤوا إليه ﷺ لا يصطنعون عذرا ولا كذبا يسألونه العفو والصفح، ومع ذلك فقد عاقبهم ولم يصفح عنهم. وقد رأيت مدى قسوة العقوبة التي أنزلها رسول الله ﷺ بهم! ..
فلماذا؟! .. لماذا اختار مع المنافقين اللين والصفح، واختار للمسلمين الصادقين الشدة والعقوبة؟! ..
والجواب: أن الشدة والقسوة في هذا المقام مظهر للإكرام والتشريف، وهو مالا يستأهله
1 / 306