143

Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

طلب المسلمين من النبي أن يجعل لهم ذات أنواط هل هو شرك أكبر أو أصغر؟
يقول الشيخ ابن عبد الوهاب في المسألة الحادية عشرة: إن الشرك فيه أكبر وأصغر، والشرك الأكبر يخرج صاحبه من الملة، والشرك الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة، كأن يحلف أحدهم بالله ﷾ ثم يقع على لسانه الحلف بغير الله، ولا يقصد تعظيمًا له مع الله سبحانه، فهذا لا نقول له: خرجت من الملة، ولكن نقول له تأديبًا: قل لا إله إلا الله، كما أمر النبي ﷺ من قال ذلك أن يقول: لا إله إلا الله.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كأنه أخذ من الحديث الذي فيه أنهم كانوا حدثاء عهد بجاهلية، فقالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط، فقال: هذا شرك أصغر وليس من الشرك الأكبر.
أما الشيخ: حامد الفقيه في تعليقه على الجملة فقال: ليس ما طلبوه من الشرك الأصغر، ولو كان منه لما جعله النبي ﷺ نظير ما فعله بنو إسرائيل، وأقسم على ذلك، بل هو من الشرك الأكبر، كما أن ما طلبه بنو إسرائيل من الشرك الأكبر.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: إن هذا من الشرك الأصغر، وليس من الشرك الأكبر.
فالصحابة طلبوا من النبي ﷺ شجرة يعلقون بها السيوف كما كان المشركون يعلقونها يرجون البركة، ويرجون النصر من الشجرة، فكأن المسلمين أرادوا ذلك فأجابهم النبي ﷺ بقوله: (الله أكبر إنها السنن! قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵊: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨])، فشبه ما قالوه بما قالته بنو إسرائيل، وقد يكون التشبيه كليًا، وهو أن هذا كهذا، فيكون قولهم من الشرك الأكبر، أو يكون جزئيًا والمعنى: تشابهتم معهم في أنهم طلبوا شيئًا لا يجوز لهم طلبه، فكان هذا شركًا أصغر فيكون في حق بني إسرائيل شرك أكبر وفي حق هؤلاء شرك أصغر.
لذلك ذهب الشيخ ابن عبد الوهاب إلى أنهم شابهوا بني إسرائيل في جزئية.
والشيخ حامد الفقيه يقول: هذا من الشرك الأكبر، وليس كذلك لأن النبي ﷺ لم يكفرهم، بل عذرهم بجهلهم، ثم إن ما فعله بنو إسرائيل صرحوا به وقالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨]، أي: إلهًا من دون الله نعبده، وكأن عقائد الفرعونيين كانت موجودة في قلوبهم، وإن كان موسى قد جاهدهم على التوحيد، ولكنهم سرعان أرادوا أن يرجعوا إلى ما كانوا يرونه من عبادة غير الله سبحانه، فطلبوا عبادة إله من دون الله سبحانه مجسمًا يرونه، ومجرد أن ذهب موسى أربعين يومًا صنع لهم السامري عجلًا جسدًا -من حلي كانت معهم- له خوار: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] وعبدوه من دون الله، وهذا هو الكفر الأكبر، فرجع موسى وأخذ برأس أخيه يجره إليه: كيف تركتهم يفعلون ذلك، فأجابه: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه:٩٤].
كذلك قوله لبني إسرائيل: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، كأنهم جهلوا قدر الله ﷾، وجهلوا عبادته وحقه عليهم، فقال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، ولم يكفرهم، فكذلك لم يكفر النبي ﷺ من كانوا معه ممن قالوا ذلك، وهذا فيه بيان أن الإنسان قد يطلب شيئًا لا يجوز له أن يطلبه، فيقع في الشرك بما طلب، ولكن يعذر بالجهل في ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لهم: قولوا لا إله إلا الله حتى ترجعوا إلى الإسلام، أو لم يقل: لقد ارتددتم عن الدين فارجعوا إليه مرة أخرى، ولذلك اعتبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا من الشرك الأصغر، وفي كتابه كشف الشبهات اعتبرها من الشرك الأكبر، وكأن له قولين في هذه المسألة.

10 / 7