144

Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

العذر بالجهل في مسائل الشريعة وضوابطه
ومما جاء عن الشيخ محمد حامد الفقي في رسالة من رسائله قوله: إذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر البدوي من العوام لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يكفر ولم يقاتل؟ وكأنه يرد على من يقول: أنتم تكفرون الناس، فبعض الناس عندما يدعى إلى التوحيد وترك الشرك يقول: أنتم تكفرون الناس، فيرد عليهم ويقول: نحن لم نكفر أولئك مع أن ما يفعلونه كفر، وعذرناهم نكفرهم لأنهم جهال لم يعرفوا حقيقة الأمر.
وهنا دليل على مسألة العذر بالجهل، فالذي يقع في الشرك بالله سبحانه وهو يعلم أن هذا شرك فهو كافر خارج من دين الإسلام، أما الذي يقع فيه وهو لا يعلم ذلك، وإنما يعتقد أنه محسن وهو في حقيقة أمره مسيء في ذلك، وذلك لبعده عن العلماء وعن الأخبار الشرعية فيعذر بجهله.
يقول الله ﷾ عن نبيه ﷺ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فالنبي ﷺ منذر، قال الله له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، أي: ولكل قوم مرسل يهديهم ويدلهم، فإذ لم يصلهم كلام الله ﷿، ولم يبلغهم ما قاله النبي ﷺ فيعذرون في ذلك حتى يبلغهم هذا الدين العظيم.
يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥].
أي: لا نعذب أحدًا من الخلق حتى نبعث رسولًا معه رسالة، ولم يقل: حتى نبعث نبيًا، بل رسولًا معه رسالة من عند رب العالمين يخبر الناس ويبلغهم، وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
فجاء الذكر من عند رب العالمين على النبي ﷺ حتى يبين للخلق ما جاء من هذا القرآن العظيم.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يتبعني إلا أدخله الله النار).
ففيه أن الإنسان الذي تبلغه دعوة النبي ﷺ لا يشترط أن يبلغه كل شيء فيها، ولكن يسمع بالنبي ﷺ ويسمع عن الرسالة، ويرفض أن ينظر في هذه الرسالة العظيمة وأن يتبعها، فيكون مآله إلى النار، والعياذ بالله.
فمن لم يبلغه شيء من هذا الدين يعذر بالجهل، ومن بلغه شيء وجب عليه أن ينظر فيه، فإذا نظر فيه فقد سمع بالنبي ﷺ، ولزمه اتباع هذا الدين.
فإذا رفض ذلك ورده بعد أن سمع بالنبي ﷺ فسوف يحاسبه الله ﷿ يوم القيامة على أنه رد رسالة النبي ﷺ.
ومن الأدلة على العذر بالجهل: ما رواه البخاري ومسلم عن رجل ممن كانوا قبلنا قال لبنيه: إذا أنا مت فحرقوني، ثم ذروني في يوم شديد الريح، فإنه إن يقدر الله عليه ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين.
فالرجل قال كلمة كفرية، وهي: إنه إن يقدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين؛ لأنه كان رجلًا مسرفًا على نفسه، ومن اعتقد أنه يقدر أن يهرب من الله أو يعجز الله ﷾ فإنه يكفر بذلك.
فلما مات أخذوه وأحرقوه، وفي يوم شديد الريح ذروا نصفه في البر ونصفه الآخر في البحر، فجمعه الله ﷾ كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمر الأرض أن تأتي بأجزائه منها، وأمر البحر أن يأتي بأجزائه منه، فالأرض والبر والبحر كلها جنود من جنود الله سبحانه، فقام الرجل بين يدي الله ﷿ فسأله ربه: (ما حملك على ما صنعت؟ فقال الرجل: خشيتك يا رب)، يعني: خوفي منك جعلني أجهل قدرك، فظن مع شدة خوفه من الله ﷿ أنه يقدر أن يهرب من الحساب بهذا الذي فعله فغفر الله له وعذره بجهله، وكذلك عذر النبي ﷺ أصحابه بجهلهم، بل لما ذهب معاذ ﵁ إلى الشام -وهو سلطان العلماء- وجد أهل الشام يسجدون لأحبارهم ورهبانهم فجاء إلى النبي ﷺ وسجد له فقال: (ما هذا يا معاذ؟! قال: وجدتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق بذلك، قال: لا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، فنهاه النبي ﷺ عن هذا الذي فعل، فالسجود لغير الله لا يجوز في شريعتنا، وإن كان قد يجوز في الشرائع التي من قبلنا، كما ذكر الله ﷿ أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وهذا سجود تحية.
ولما جاء أبوا يوسف ﵊ دخلوا عليه وإخوته وخروا له سجدًا يحيونه، وذلك كان جائزًا في الشرائع من قبل، أما في شريعتنا فلا يجوز السجود إلا لله سبحانه.
فلما فعلها معاذ، وفعلها غيره مع النبي ﷺ نهاه النبي ﷺ عن هذا الذي فعله، وأخبره أنه لا يجوز السجود إلا لله سبحانه، ولم يكفره بهذه الشيء الذي فعله رضي الله تعالى عنه.
وكذلك الجواري اللاتي كن يغنين فقالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد.
ومن اعتقد أن النبي ﷺ يعلم الغيب فقد وقع في الكفر بالله سبحانه، فالنبي ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما يعلمه الله ﷿ عن طريق الوحي، أما هو بذاته فلا يعرف الغيب ﵊، وقد أمره ربه سبحانه في القرآن أن يقول: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فكأنه يكذب كلام رب العالمين.
فلما قالت الجارية ذلك نهاها النبي ﷺ وقال لها: (لا تقولي هذا، لا يعلم الغيب إلا الله، قولوا ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان)، أي: لا يأخذكم في الوقوع في مثل هذا الأمر.
والنبي ﷺ أنكر على أصحابه بعضًا مما وقعوا فيه بدافع جهل بعضهم، فلما مدح ﷺ بشيء لا يصح أن يمدح به قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، ومع ذلك لم يكفرهم ﷺ، ولم يأمرهم بأن يعودوا إلى الإسلام من جديد، وإنما عذرهم في ذلك، فقد يكون القول والاعتقاد من الكفر الأكبر المخرج لصاحبه من الملة، ولكن مع ذلك يعذر صاحبه لكونه يجهل هذا الأمر، ولبعده عن بلاد المسلمين، أو لكون هذا الأمر مما لا يعلمه إلا القليل.
إن من أنكر آية في كتاب الله ﷿ فقد كفر، ومن أنكر حكمًا مجمعًا عليه فقد كفر، ولكن قد يعم الجهل في الناس فلا يعرفون أشياء هي في كتاب الله سبحانه، وعلى العموم من أنكرها فقد كفر، ولكن على الخصوص ينظر في هذا الذي ينكرها، هل يعلم أو لا يعلم.
ففي عهد عمر ﵁ قال رجل من أهل الشام أناس يحدثونه عن الزنا، فقال: زنيت البارحة، فقيل له: سبحان الله ما تقول؟ قال: زنيت البارحة وأعلموه أن الله ﷿ حرمه، فقال: ما علمته إلا الآن، فرفعوا الأمر إلى عمر ﵁ فأخبرهم أنه إذا كان كما يقول فلا ترجموه.
ورجل آخر وقع بجارية امرأته ظنًا منه أنها تحل له، فرفعوا أمره إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما علم عمر أن هذا الرجل جاهل عذره بجهله ولم يقم عليه الحد، وإنما عزره وقال: إن عاد فارجموه.
وليس معنى ذلك أن يفتح باب العذر بالجهل لكل من ارتكب جريمة أو معصية، ولكن يخوف ويعلم الحكم الشرعي، وأن هذا كفر مخرج من الملة، والواجب التوبة منه.
وأيضًا لا يجوز لإنسان أن يكفر كل الناس، فلعله يكفر أباه وأمه، فإذا مات أبوه أو ماتت أمه يرث الاثنين، مع أنه إذا كانا كافرين فلا يجوز له أن يرثهما، ثم كيف يكفرهما ثم يدفنهما في مقابر المسلمين، مع أن الكافر لا يدفن في مقابر المسلمين، فالإنسان قد يقع بدعوة تشدد في شيء، ثم يناقض نفسه فيما ينبني عليه هذا الشيء الذي يقوله.

10 / 8