142

Fath al-Majīd sharḥ kitāb al-tawḥīd

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد

حكم التبرك بآثار الصالحين
يقول الشارح هنا: إن ما ادعاه بعض المتأخرين من أنه يجوز التبرك بآثار الصالحين فممنوع.
ولكن التبرك بالنبي ﷺ وبآثاره فهذا وارد، والصحابة تبركوا بشعر النبي ﷺ، بل هو بنفسه أمر أبا طلحة أن يقسم شعره بين المسلمين، فأخذ أبو طلحة نصفه وقسم النصف الباقي بين الناس، فكانوا يتبركون بأثره ﵊ من ريقه الطاهر من ثيابه التي يلبسها من أثر وضوئه ﵊، وذكرنا في الحديث السابق كيف أن أناسًا أتوه من مكان بعيد وعندهم بيت يعبدون فيه غير الله سبحانه فأمرهم النبي ﷺ أن يطهروه وأن يغسلوه بالماء، فطلبوا من النبي ﷺ ماء من وضوئه ﵊ يتبركون به، فأعطاهم ﷺ، فذكروا له أن المار يتبخر في أثناء الطريق، قال: (أمدوه فإنه لا يزيد إلا طيبًا)، أي: زيدوا عليه من ماء الطريق، فبركة الماء الذي استخدمه النبي ﷺ وما زاد إلا طيبًا، وفعلًا أخذوا هذا الماء وغسلوا الكنيسة أو المكان الذي كان يعبد فيه غير الله ﷿، وعبدوا الله ﷾ فيه.
وقد دلت الشريعة على جواز التبرك بآثاره ﷺ، أما التبرك بآثار غير النبي ﷺ فلا يجوز؛ لأنه قياس مع الفارق، فلا أحد يساويه ﷺ والصحابة الذين يتبركون به ﷺ وبآثاره لم يكونوا يتبركون بأثر أحد بعده، ولو جاز ذلك لفعلوه، لكنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما اكتفوا بما كان عندهم عن النبي ﷺ، فلم يقل أحد منهم: تبرك بأثر أبي بكر وهو أفضل الأمة بعد النبي ﷺ، ولا بأثر عمر، ولا بأثر عثمان، ولا علي رضي الله ﵎ عنهم.
فلم يقل أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ذلك.
ولو كان من الخير أن يتبرك بغير النبي ﷺ لفعله الصحابة أو بعضهم ولكن ذلك لم يحدث، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] وعلى ذلك فالعلماء الذين قالوا بجواز التبرك بآثار الصالحين إذا كان التبرك بدعوات الصالحين، كأن يدعو الصالح بالبركة، مع اعتقادهم أن الذي يبارك هو الله ﷾ فهذا جائز، أما بأثر الصالح نفسه فهذا الأصل فيه المنع حتى يثبت الدليل؛ لأنه وسيلة وذريعة إلى الوقوع في الشرك بالله سبحانه.
قد يأتي أناس ويظنون أن هذا رجل صالح، وأن أكله طيب يذكر فيه اسم الله سبحانه، فيأكلون من هذا الطعام فهذا لا بأس به، ولكن لعله يفتح على الناس بعد ذلك بابًا من أبواب الشرك، فيظن أن هذا الطعام يجلب الخير أو يمنع الضر مثلًا.
والتبرك بآثار الصالحين مسألة من مسائل الخلاف، وليست من مسائل الاتفاق، والخلاف فيها فيه نظر، إن كثيرًا من العلماء قالوا: إذا جاز التبرك بآثار النبي ﷺ فليكن تبركًا بآثار غيره، ولكن باب سد الذريعة من الأبواب العظيمة في الشريعة، فلو انفتح باب التبرك بالصالحين سيفتح على الناس الشرك، لذلك يكتفى بالتبرك بما جاء عن النبي ﷺ فقط.

10 / 6