Fatāwā Qāḍīkhān
فتاوى قاضيخان
رجل وقف أرضا أو دارا وشرط لنفسه الخيار ثلاثة أيام قال أبو يوسف رحمه الله تعالى إن بين للخيار وقتا معلوما يجوز الوقف والشرط كما في البيع وإن كان الوقف مجهولا لا يجوز الوقف * وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى ينبغي أن يجوز الوقف ويبطل الشرط وقال هلال رحمه الله تعالى لا يصح الوقف كان الوقت معلوما أو مجهولا وهو قول محمد رحمه الله تعالى وقال يوسف بن خالد التيمي رحمه الله تعالى الوقف جائز والشرط باطل على كل حال كما لو شرط الخيار في العتق فإنه يصح العتق ويبطل شرط الخيار وكما جعل داره مسجدا على أنه بالخيار ثلاثة أيام يصح اتخاذ المسجد ويبطل الخيار * رجل وقف داره يوما أو شهرا أو وقتا معلوما ولم يزد على ذلك جاز الوقف ويكون الوقف أبدا * ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة شهرا فإذا مضى شهر فالوقف باطل كان الوقف باطلا في الحال في قول هلال رحمه الله تعالى لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبد فإذا كان التأبيد شرطا لا يجوز مؤقتا * ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على فلان سنة بعد موتي فإذا مضت السنة فالوقف باطل كان وصية لفلان سنة بعد موته ثم يصير وصية للمساكين فيصرف غلتها إلى المساكين * ولو قال أرضي موقوفة على فلان سنة بعد موتي ولم يزد على ذلك فإن الغلة تكون لفلان سنة ثم بعد سنة تصير إلى الورثة * ولو قال إذا جاء غد أرضي صدقة موقوفة أو قال إذا ملكت هذه الأرض فهي صدقة موقوفة لا يجوز لأنه تعليق والوقف لا يحتمل التعليق بالخطر لأنه لا يحلف به فلا يصح تعليقه كما لا يصح تعليق الهبة بخلاف النذر لأنه يحتمل التعليق ويحلف به * ول لو قال أرضي بعد وفاتي موقوفة سنة جاز وتصير الأرض موقوفة أبدا لأنه في معنى الوصية * بخلاف إذا لم يضف إلى ما بعد الموت فقال أرضي موقوفة سنة لأن ذلك ليس بوصية بل هو محض تعليق أو إضافة * فالحاصل أنه على قول هلال رحمه الله تعالى أنه إذا شرط في الوقف شرطا يمنع التأبيد لا يصح الوقف * ولو قال أرضي صدقة موقوفة على أن لي إبطالها كان الوقف باطلا على قول هلال رحمه الله تعالى وقال يوسف بن خالد رحمه الله تعالى الوقف جائز والشرط باطل وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وقت الخيار ليس بمعلوم فينبغي ألا يجوز الوقف(1) * ولو قال أرضي صدقة موقوفة على أن أصلها لي أو على أنه لا يزول ملكي عن أصلها أو على أن أبيع أصلها وأتصدق بثمنها كان الوقف باطلا * وكذا لو قال أرضي صدقة موقوفة إن شئت أو أحببت أو هويت كان الوقف باطلا في قولهم لأن هذا تعليق وتعليق الوقف بالشرط باطل في قولهم * ولو قال أرضي صدقة موقوفة أن شئت ثم قال شئت كان الوقف باطلا لما قلنا أنه تعليق * ولو قال شئت وجعلتها صدقة موقوفة صح لأنه ابتداء وقف * وإذا شرط الخيار في الوقف لم يصح الوقف في قول هلال رحمه الله تعالى فلو أنه أبطل الخيار بعد ذلك لا يصير الوقف جائزا * بخلاف ما لو شرط الخيار في البيع أكثر من ثلاثة أيام ثم أبطل الخيار قبل الأيام الثلاثة ينقلب البيع جائزا لأن الوقف لا يجوز إلا مؤبدا وشرط الخيار يمنع التأبيد فكان شرط الخيار شرطا فاسدا في نفس العقد أما الخيار لا يمنع جواز البيع إنما يفسد البيع إذا شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام لامتناع لزوم العقد بعد الأيام الثلاثة فلم يكن الفساد في صلب العقد * ولو أن رجلا قال إن كانت هذه الأرض في ملكي فهي صدقة موقوفة فإنه ينظر إن كانت في ملكه وقت التكلم صح الوقف وإلا فلا لأن التعليق بشرط كائن تنجيز * رجل وقف أرضا لرجل آخر في بر سماه ثم ملك الأرض لم يجز وإن أجاز المالك جاز عندنا خلافا للشافعي رحمه الله تعالى * رجل قال أرضي صدقة موقوفة لله تعالى أبدا على أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضا أخرى فتكون وقفا على شروط الأولى قال هلال رحمه الله تعالى وهو قول أبي يوسف رحمه الله تعالى الوقف والشرط جائزان * وقال يوسف بن خالد رحمه الله تعالى الوقف صحيح والشرط باطل * وقال بعضهم هما فاسدان والصحيح قول هلال وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لأن هذا شرط لا يبطل حكم الوقف فإن الوقف مما يحتمل الانتقال من أرض إلى أرض أخرى ويكون الثاني قائما مقام الأول فإن أرض الوقف إن غصبها غاصب وأجرى الماء عليها حتى صار بحرا لا يصلح للزراعة يضمن قيمتها ويشتري بقيمتها أرضا أخرى فتكون الثانية وقفا على وجه الأولى * وكذلك أرض الوقف إذا قل نزلها لآفة وصارت بحيث لا تصلح للزراعة أو لا تفضل غلتها عن مؤنها يكون صلاح الوقف في الاستبدال بأرض أخرى فيصح شرط ولاية الاستبدال وإن لم يكن للحال ضرورة داعية إلى الاستبدال وإن كان الواقف قال في أصل الوقف على أن أبيعها على ما بدا لي من الثمن من قليل أو كثير أو قال على أن أبيعها وأشتري بثمنها عبدا أو قال أبيعها ولم يزد على ذلك قال هلال رحمه الله تعالى هذا الشرط فاس يفسد به الوقف لأن هذا شرط ولاية إبطال الوقف كأنه قال على أن أبطلها وإنما لا يبطل الوقف إذا شرط الاستبدال بأرض أخرى لأن ذلك نقل وتحويل * وأجمعوا على أن الواقف إذا شرط الاستبدال لنفسه في أصل الوقف يصح الوقف والشرط ويملك الاستبدال * أما بدون الشرط أشار في السير أنه لا يملك الاستبدال إلا القاضي إذا رأى المصلحة في ذلك * ولو قال الواقف في الوقف على أن أبيعها وأشتري بثمنها أرضا أخرى ولم يزد على هذا القياس يبطل الوقف لأنه لم يذكر إقامة أرض أخرى مقام الأولى وفي الاستحسان يصح الوقف لأن الأرض الأولى تعينت للوقف فيكون ثمنها قائما مقامها في الحكم وكما لو اشترى الثانية تصير الثانية وقفا بشرائط الأولى وقائمة مقام الأولى ولا يحتاج إلى مباشرة الوقف بشروطه في الثانية كالعبد الموصى بخدمته لإنسان إذا قتل خطأ وأخذت قيمته واشترى بها عبدا آخر ثبت حق الموصى له بخدمته فيه من غير تحديد * وكذلك المدبر إذا قتل خطأ وأخذ المولى قيمته يؤمر أن يشتري عبدا آخر فيدبره وينتقل حكم الأول إلى بدله كذلك ههنا ثم ليس له أن يستبدل الثانية بأرض ثالثة لأن هذا حكم ثبت في الشرط والشرط وجد في الأولى دون الثانية * ولو قال أرضي صدقة موقوفة على أن لي أن أستبدلها بأرض أخرى لم يكن له أن يستبدلها بدار لأنه لا يملك تغير الشرط وله أن يشتري بثمنها أرض الخراج لأن أرض الوقف لا تخلو عن وظيفة إما العشر أو الخراج * ولو قال أن لي أن أستبدلها بدار لم يكن له أن يستبدلها بأرض * ولو قال أن لي أن أستبدلها بأرض من أراضي البصرة لم يكن له أن يستبدلها بأرض من غير أرض البصرة لأن أراضي البلدان تتفاوت في الغلة والمؤنة فلا يغير شرطه وليس له أن يستبدلها بأرض من أرض الحوز لأن من في يده أرض الحوز الاكار لا يملك الأرض والبيع فإن أرض الحوز هي ما عجز صاحبها عن زراعتها وأداء مؤنها فدفعها إلى الإمام لتكون منفعتها للمسلمين مقام الخراج والرقبة ملك لصاحبها ومنفعتها للمسلمين * ولو شرط الاستبدال ولم يذكر أرضا ولا دارا فباع الأرض الأولى كان له أن يستبدلها بجنس العقارات ما شاء من دار أو أرض وكذا إذا لم يقيد الاستبدال على بلد كان له أن يستبدلها بأي بلد شاء لإطلاق اللفظ * ولو باع أرض الوقف بثمن فيه غبن فاحش لا يجوز بيعه في قول أبي حنيفة وهلال رحمهما الله تعالى لأن القيم بمنزلة الوكيل فلا يملك البيع بغبن فاحش ولو كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجيز الوقف بشرط الاستبدال يجيز بيع القيم إذا باع بغبن فاحش كالوكيل بالبيع عنده * ولو باع أرض الوقف وقبض الثمن ثم مات ولم يبين حال الثمن يكون الثمن دينا في تركته * ولو كان الوقف مرسلا لم يذكر فيه شرط الاستبدال لم يكن له أن يبيعها ويستبدل بها وإن كانت أرض الوقف سبخة لا ينتفع بها لأن سبيل الوقف أن يكون مؤبدا لا يباع وإنما تثبت ولاية الاستبدال بالشرط وبدون الشرط لا تثبت فهو كالبيع المطلق عن شرط الخيار لا يملك المشتري رد ه وإن لحقه في ذلك غبن * ولو أنه شرط الاستبدال في الوقف فباعها ووهب الثمن صحت الهبة ويضمن الثمن في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا تصح الهبة وإن باع أرض الوقف بعوض ففي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يصح البيع ثم يبيع العروض بالدراهم أو بالدنانير فيشتري بها أرضا أو يشتري بالعروض أرضا وقال أبو يوسف وهلال رحمهما الله تعالى لا يملك البيع إلا بالدراهم أو بالدنانير وهو كالوكيل بالبيع * ولو باع أرض الوقف وقد شرط له ولاية الاستبدال ثم عادت الأرض إليه إذا عادت الأرض بما هو فسخ من كل وجه كان له أن يبيعها ثانيا لأن البيع الأول صار كائن لم يكن * وإن عادت إليه بما هو عقد جديد لا يملك بيعها ثانيا لأنه صار كأنه اشتراها شراء جديدا فتصير وقفا كما لو اشترى أرضا أخرى والعقد الجديد والفسخ من كل وجه معروف في الكتب * ولو باع أرض الوقف واشترى بثمنها أرضا أخرى ثم ردت الأولى عليه بعيب بقضاء قاض كان له أن يصنع بالأرض الأخرى ما شاء والأرض الأولى تعود وقفا لأن الأرض الثانية بدل عن الأولى فإذا انفسخ البيع في الأولى من كل وجه انتقلت الوقفية عن البدل إلى الأصل فإذا لم تبق الثانية بدلا عن الوقف كان له أن يصنع بالثانية ما شاء ولو ردت عليه الأولى بعيب بغير قضاء لم ينفسخ البيع في الأولى فبقيت الثانية بدلا عن الأولى فلا تبطل الوقفية في الثانية ويصير مشتريا الأولى لنفسه ولا يصير مشتريا الأرض الثانية وواقفا لنفسه لأنها كانت وقفا بدلا عن الأولى فلا تتغير بعود الأولى إليه بعقد جديد * ولو باع أرض الأولى واشترى بثمنها أرضا أخرى ثم استحقت الأرض الأولى في القياس تبقى الثانية وقفا * وفي الاستحسان لا تبقى الثانية وقفا لأن الثانية كانت وقفا بدلا من الأولى وبالاستحقاق انتقضت تلك المبادلة من كل وجه فلا تبقى الثانية وقفا * ولو كان الواقف قال في الوقف على أن لي أن أستبدل بها ثم مات وأوصى له وصيه بالاستبدال فإن وصيه لا يملك الاستبدال لأنه شرط في الوقف ولاية الاستبدال لنفسه وهذا أمر يحتاج فيه إلى الأمر والمشورة * بخلاف ما إذا وكل الواقف في حياته بالاستبدال حيث التوكيل لأن رأي الموكل قائم لو يمكنه الخلل يمكنه التدارك ولو شرط الواقف في الوقف الاستبدال لكل من ولي هذا الوقف صح ذلك ولكل من ولي الوقف ولاية الاستبدال * أما إذا قال الواقف على أن لفلان ولاية الاستبدال فمات الواقف لا يكون لفلان ولاية الاستبدال بعد موت الواقف إلا أن يشترط الولاية بعد وفاته * وهذا كله قول أبي يوسف وهلال رحمهما الله تعالى لأن عندهما الواقف إذا ولى غيره كان له أن يعزله بعد ذلك فكان القيم بمنزلة الوكيل والوكالة تبطل بالموت * وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا تبطل ولاية المتولي بوفاة الواقف لأن عنده لو أراد الواقف أن يعزل المتولي لا يملك لأن المتولي وكيل الفقراء لا وكيل الواقف ولو أن الواقف شرط الاستبدال لرجل آخر مع نفسه على أنم يستبدلا معا فتفرد ذلك الرجل لم يجز لأنه اشترط رأيه مع رأي غيره *
ولو تفرد الواقف في الاستبدال جاز لأن الواقف هو الذي شرط لذلك الرجل وما شرط لغيره فهو مشروط لنفسه ولو أن قيمين في الوقف أقام كل قيم قاضي بلدة غير بلدة أخرى هل يجوز لكل واحد منهما أن يتصرف بدون الآخر قال الشيخ الإمام اسمعيل الزاهد رحمه الله تعالى ينبغي أن يجوز كل واحد منهما * ولو أن واحد من هذين القاضيين أراد أن يعزل القيم الذي أقامه القاضي الآخر قال إن رأى القاضي المصلحة في عزل الآخر كان له ذلك وإما فلا * متولي الوقف إذا مات وإن كان الواقف حيا فالرأي في نصب القيم للواقف وإن مات القيم بعد موت الواقف إن أوصى القيم إلى وصي فوصيه أولى من القاضي وإن لم يكن أوصى إلى رجل فالرأي فيه إلى القاضي والله أعلم
فصل فيما يدخل في الوقف من غير ذكر وما لا يدخل
رجل قال أرضي صدقة موقوفة لله تعالى أبدا ولم يزد على ذلك وفيها ثمرة قائمة فإن الثمرة لا تدخل في الوقف ووقف الأرض جائز وهو كالبيع لو باع أرضا وفيها
Page 174