305

باب الرجل يجعل داره مسجدا أو خانا أو سقاية أو مقبرة قال محمد رحمه الله تعالى <290\3> وهو قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يزول ملكه قبل التسليم وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى، ثم التسليم في المسجد أن يصلي فيه بالجماعة بإذنه، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان في رواية الحسن عنه يشترط فيه أداء الصلاة بالجماعة بإذنه اثنان فصاعدا وقال محمد رحمه الله تعالى في رواية أخرى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا صلى واحد بإذنه يصير مسجدا إلا أن بعضهم قالوا إذا صلى فيه واحد بأذان وإقامة وفي ظاهر الرواية لم يذكر هذه الزيادة، وإنما يكتفى بصلاة الواحد لأن المسجد حق الله تعالى أو حق عامة المسلمين والواحد في استيفاء حق الله تعالى وحق العامة يقوم مقام الكل والصحيح رواية الحسن رحمه الله تعالى لأن قبض كل شيء وتسليمه يكون بحسب ما يليق به وذلك في المسجد بأداء الصلاة في الجماعة أما الواحد يصلي في كل مكان وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى التسليم ليس بشرط لا في المسجد ولا في غيره من الأوقاف فإذا قال جعلت هذا مسجدا وأذن الناس بالصلاة فيه يتم ذلك ثم على الرواية التي لا يشترط أداء الصلاة بالجماعة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا بنى مسجدا وصلى هو فيه وحده هل يصير مسجدا اختلفوا فيه قال بعضهم يصير مسجدا لأن محمدا رحمه الله تعالى ذكر في الكتاب أن على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يصير مسجدا حتى يصلى فيه، وقوله يصلى فيه فعل ما لم يسم فاعله فيدخل فيه الباني وغيره، وقال بعضهم صلاته لا تكفي وهو الصحيح لأن الصلاة إنما تشترط لأجل قبض العامة وقبضه لا يكفي فكذلك صلاته، ولو بنى مسجدا وسلم إلى المتولي هل يصير مسجدا قبل أداء الصلاة لا رواية فيه عن أصحابنا رحمهم الله تعالى واختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه قال بعضهم يصير مسجدا ويتم كما يتم سائر الأوقاف بالتسليم إلى المتولي، وقال بعضهم لا يصير مسجدا بالتسليم إلى المتولي وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى لأن قبض كل شيء يكون بما يليق به كقبض الخان يكون بنزول واحد من المارة فيه بإذنه، ولو جعل أرضه سقاية في حياته كان له أن يرجع فيها وتسليمها يكون بالاستقاء منها وكذلك الحوض والبئر، ولو هدم داره وجعلها مقبرة كان له أن يرجع فيها إلا في البقعة التي دفن فيها بإذنه فإنه لا يرجع فيها، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا رجوع في جميعها، وقال محمد رحمه الله تعالى إن دفن فيها اثنان فلا رجوع فيها نأخذ في ذلك بقول أبي يوسف رحمه الله تعالى وإن لم يدفن فيه فله فيه الرجوع كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى وإذا بنى خانا لأبناء السبيل وأذن للناس بالدخول فيه فنزل واحد فلا رجوع فيه، رجل له ساحة لا بناء فها أمر قوما أن يصلوا فيها بجماعة قالوا إن أمرهم بالصلاة أبدا أو أمرهم بالصلاة فيها بجماعة ولم يذكر الأبد إلا أنه أراد به الأبد ثم مات لا يكون ميراثا عنه، وإن أمرهم بالصلاة شهرا أو سنة ثم مات يكون <291\3> ميراثا عنه لأنه لا بد من التأبيد والتوقيت ينافي التأبيد، ولو جعل داره مسجدا وجعل رجلا واحدا مؤذنا وإماما فإن أذن هذا الرجل وأقام وصلى وحده كان تسليما لأن أداء الصلاة بأذان وإقامة كإقامة الجماعة ولهذا قالوا لو صلى واحد من أهل المسجد بأذان وإقامة لا يكون لمن يجيء بعده من أهل المسجد أداء الصلاة فيه بالجماعة عند البعض، متولي المسجد إذا جعل المنزل الموقوف على المسجد مسجدا وصلى الناس فيه سنين ثم ترك الصلاة فيه وأعيد منزلا مستقلا جاز لأن المتولي وإن جعله مسجدا لا يصير مسجدا، مسجد اتخذ لصلاة الجنازة أو لصلاة العيد هل يكون له حكم المسجد اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه قال بعضهم يكون مسجدا حتى لو مات لا يورث عنه، ولو قال بعضهم ما اتخذ لصلاة الجنازة فهو مسجد لا يورث عنه وما اتخذ لصلاة العيد لا يكون مسجدا مطلقا وإنما يعطى له حكم المسجد في صحة الاقتداء بالإمام وإن كان منفصلا عن الصفوف وأما فيما سوى ذلك ليس له حكم المسجد وقال بعضهم له حكم المسجد حال أداء الصالة لا غير وهو والجبانة سواء ويجنب هذا المكان عما يجنب المسجد احتياطا، رجل قال جعلت حجرتي هذه لدهن سراج المسجد ولم يزد على ذلك قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى تصير الحجرة وقفا على المسجد إذا سلمها إلى المتولي وعليه الفتوى وليس للمتولي أن يصرف الغلة إلى غير الدهن، وعن محمد رحمه الله تعالى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى إذا جعل أرضه وقفا على المسجد وسلم جاز ولا يكون له أن يرجع، ولو قال هذه الشجرة للمسجد قال الفقيه أبو القاسم رحمه الله تعالى لا تصير للمسجد، رجل تصدق بداره على المسجد أو على طريق المسلمين تكلموا فيه والفتوى على أنه يجوز، وذكر الناطفي رحمه الله تعالى أنه لا يجوز ويكون ميراثا عنه، رجل أعطى دراهم في عمارة المسجد أو مصالح المسجد أو نفقة المسجد قيل بأنه يصح ويتم بالقبض، رجل أوصى بشيء لعمارة المسجد في أي شيء يصرف ذلك المال قال أبو القاسم رحمه الله تعالى يصرف فيما كان من البناء دون التزيين قيل له أيصرف ذلك المال في المنارة قال ذلك من بناء المسجد، وعن أبي بكر البلخي رحمه الله تعالى أنه سئل عن الوقف على المسجد أيجوز لهم أن يبنوا منارة من غلة المسجد قال إن كان ذلك من مصلحة المسجد بأن كان أسمع لهم فلا بأس به وإن كان بحال يسمع الجيران الأذان بغير منارة فلا أرى لهم أن يفعلوا ذلك، وليس للقيم أن يتخذ من الوقف على عمارة المسجد شرفا أو ينتقش المسجد من ذلك ولو فعل يكون ضامنا، رجل أوصى بثلث ماله لأعمال البر هل يجوز أن يسرج المسجد من ذلك قال الفقيه أبو بكر رحمه الله تعالى يجوز ولا يجوز أن يزاد على سراج المسجد لأن ذلك إسراف سواء كان في رمضان أو في غيره ولا يزين المسجد بهذه الوصية، ولو قال <292\3> أوصيت بثلث مالي للمسجد قال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو باطل حتى يقول ينفق على المسجد وقال محمد رحمه الله تعالى هو جائز وذكر الناطفي رحمه الله تعالى إذا وقف ماله لإصلاح المساجد يجوز وإن وقف لبناء القناطر أو لإصلاح الطريق أو لحفر القبور أو اتخاذ السقايات والخانات للمسلين أو لشراء الأكفان لهم لا يجوز وهو جائز في الفتوى، ولو جعل أرضا له صدقة موقوفة على مرمة المسجد كذا وثمن بواريه وزيت قناديله وما يحتاج إليه ذكر الخصاف رحمه الله تعالى أنه باطل لأنه قد تخرب المحلة فيبطل المسجد ولا يحتاج إلى المرمة فإن زاد على ذلك وقال فإن استغنى عنه المسجد كانت الغلة للمساكين جاز لأنه مما يتأبد، ولو كانت الأرض وقفا على عمارة المساجد أو على مرمة المقابر جاز لأن ذلك مما لا ينقطع، أرض هي وقف على عمارة المسجد على أن ما فضل من عمارته فهو للفقراء فاجتمعت الغلة والمسجد غير محتاج إلى العمارة قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى تحبس الغلة لأنه ربما يحدث بالمسجد حدث وتصير الأرض بحال لا تغل، وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى الجواب كما قال وعندي لو علم أنه لو اجتمع من الغلة مقدار ما لو احتاج المسجد والأرض إلى العمارة يمكن العمارة بها ويفضل تصرف الزيادة إلى الفقراء على ما شرط الواقف، مسجد انهدم وقد اجتمع من غلته ما يحصل به البناء قال الخصاف رحمه الله تعالى لا تنفق الغلة في البناء لأن الواقف وقف على مرمتها ولم يأمر بأن يبنى هذا المسجد والفتوى على أنه يجوز البناء بتلك الغلة، ولو كان الوقف على عمارة المسجد هل للقيم أن يشتري سلما ليرتقي على السطح لكنس السطح أو تطيينه أو يعطي من غلة المسجد أجر من يكنس السطح ويطرح الثلج ويخرج التراب المجتمع من المسجد قال أبو نصر رحمه الله تعالى للقيم أن يفعل ما في تركه خراب المسجد، مسجد انكسر حائطه من ماء بجنب المسجد في الشارع وهو ماء الشفة أو انكسرت ضفته هل يصرف من غلة المسجد إلى عمارة النهر ومرمته قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى إن كان ما يصرف إلى عمارة النهر ومرمته لا يزيد على عمارة القائم فيه جاز ولأهل المسجد أن يمنعوا أهل النهر من الانتفاع بالنهر ومرمته حتى يعطوهم قيمة العمارة فيصرف ذلك إلى عمارة المسجد وإن شاء أهل المسجد تقدموا إلى أهل النهر بإصلاح النهر فإن لم يصلحوا حتى انهدم حائط المسجد وانكس ضمنوا مرمة ما هدم، ولو أن مسجدا بابه على مهب الريح يصب المطر على باب المسجد فيفسده ويبتل داخل المسجد من ذلك وخارجه ويشق على الناس الدخول في المسجد أيجوز أن يتخذ ظلة من غلة المسجد قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى إن كان لا يضر ذلك بأهل الطريق جاز، طريق للعامة هي واسع فبنى فيه أهل المحلة مسجد للعامة ولا يضر ذلك بالطريق قالوا لا بأس به، وهكذا روي عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى <293\3> لأن الطريق للمسلمين والمسجد لهم أيضا، وإن أراد أهل المحلة أن يدخلوا شيئا من الطريق في دورهم وذلك لا يضر بالطريق لا يكون لهم ذلك ولأهل المحلة تحويل باب المسجد من موضع إلى موضع آخر، قوم بنوا مسجدا واحتاجوا إلى مكان ليتسع المسجد فأخذوا من الطريق وأدخلوه في المسجد إن كان يضر ذلك بأصحاب الطريق فلا يجوز وإلا فلا بأس به، ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل يؤخذ أرضه بالقيمة كرها ولو كان بجنب المسجد أرض وقف على المسجد فأرادوا أن يزيدوا شيئا في المسجد من الأرض جاز ذلك بأمر القاضي، ولو أن قيم المسجد أراد أن يبني حوانيت في حريم المسجد وفنائه قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى لا يجوز له أن يجعل شيئا من المسجد مسكنا أو مستغلا، ولو أن سلطانا أذن لقوم أن يجعلوا أرضا من أراضي البلدة حوانيت موقوفة على المسجد أو أمرهم أن يزيدوا في مسجدهم قالوا إن كانت البلدة فتحت عنوة وذلك لا يضر بالمارة والناس ينفذ أمر السلطان فيها وإن كانت البلدة فتحت صلحا لا ينفذ أمر السلطان لأن البلدة إذا فتحت عنوة تصير ملكا للغانمين فينفذ أمر السلطان وإذا فتحت صلحا تبقى على ملك ملاكها فلا ينفذ أمر السلطان فيها وبلدة بخارا فتحت عنوة بدليل وضع الخراج عليها وإن كان بعض أراضيها عشرية كأراضي مرسان فإنها عشرية لأن الإمام أعطى ذلك لمرسان، رجل بسط من ماله حصيرا في المسجد فخرب المسجد ووقع الاستغناء عنه فإن ذلك يكون له إن كان حيا ولوارثه إن كان ميتا وإن بلي ذلك كان له أن يبيع ويشتري بثمنها حصيرا آخر وكذا لو اشترى حشيشا أو قنديلا للمسجد فوقع الاستغناء عنه كان ذلك له إن كان حيا ولوارثه إن كان ميتا وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يباع ويصرف ثمنه إلى حوائج المسجد فإن استغنى عنه هذا المسجد يحول إلى المسجد الآخر والفتوى على قول محمد رحمه الله تعالى، ولو كفن ميتا فافترسه سبع فإن الكفن يكون للمكفن إن كان حيا ويكون لوارثه إن كان ميتا، ولو أن أهل المسجد باعوا حشيش المسجد أو جنازة أو نعشا صار خلقا ومن فعل ذلك غائب اختلفوا فيه، قال بعضهم يجوز والأولى أن يكون بإذن القاضي وقال بعضهم لا يجوز إلا بإذن القاضي وهو الصحيح، وديباج الكعبة إذا صار خلقا يبيعه السلطان ويستعين به في أمر الكعبة لأن الولاية فيه للسلطان لا لغيره ويجوز الإنفاق على قناديل المسجد من وقف المسجد ذكره الناطفي رحمه الله تعالى، مسجد بجنبه فارقين يضر بحائط المسجد ضررا بينا فأراد القيم أو أهل المسجد أن يتخذ من مال المسجد حصنا بجنب حائط المسجد ليمنع الضرر عن المسجد قالوا إن كان الوقف على مصالح المسجد جاز للقيم ذلك لأن هذا من مصالح المسجد وإن كان الوقف على عمارة المسجد لا يجوز لأن هذا ليس من عمارة المسجد، متولي المسجد إذا أمر المؤذن أن يخدم المسجد سنة أو أكثر بأجر معلوم جازت الإجارة فبعد ذلك إن كان ما سمى له من الأجر <294\3> مثل أجر عمله أو زيادة يتغابن فيه الناس كانت الإجارة للمسجد ولا يضمن القيم بدفع الأجر من مال الوقف ويحل للمؤذن أن يأخذ ذلك وإن كان ذلك أكثر من أجر عمله بما لا يتغابن الناس فيه كانت الإجارة للمتولي وعليه الأجر في ماله، فإن دفع ذلك من مال الوقف يكون ضامنا، وإن علم المؤذن أن ما أخذ من مال الوقف لا يحل له ذلك، متولي المسجد إذا اشترى بالغلة التي اجتمعت عنده من الوقف منزلا ودفع المنزل إلى المؤذن ليسكن فيه إن علم المؤذن ذلك كره له أن يسكن في ذلك المنزل لأن هذا المنزل من مستغلات المسجد فهذه المسألة دليل على أن متولي المسجد إذا دفع إلى المؤذن أو إلى الإمام ما هو من مستغلات المسجد لا يجوز ذلك للمتولي ويكره للإمام والمؤذن أن يسكن في ذلك المنزل، متولي المسجد ليس له أن يحمل سراج المسجد إلى بيته وله أن يحمل من البيت إلى المسجد، رجل ادعى في مسجد أو مقبرة حقا وقضى القاضي للمدعي بالبينة على بعض أهلها كان ذلك قضاء على جميعهم لأن كل واحد منهم خصم عن الباقين كالوارث عن الميت وعن بقية الورثة وفي الخان لا يقضي حتى يحضر نائب قيم الوقف، إذا اشترى شيئا لمرمة المسجد بدون إذن القاضي قالوا لا يرجع بذلك في مال المسجد وله أن ينفق على المرمة من ماله كالوصي في مال الصغير ولو أدخل المتولي جذعا من ماله في الوقف جاز وله أن يرجع في غلة الوقف، رجل اشترى أرضا فوقفها ثم جاء مستحق واستحقها وأجاز البيع بطل الوقف في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو ضمن المستحق البائع جاز الوقف في قول محمد رحمه الله تعالى، رجل اشترى موضعا وزاده في طريق المسلمين وجعله طريقا لهم وأشهد على ذلك صح ويشترط لذلك مرور واحد من الناس بإذنه على قول من يشترط القبض في الأوقاف وسوى في الكتاب بين الطريق والمقبرة وسائر الأوقاف وقال على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يكون له الرجوع فيها إلا في المسجد خاصة وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يرجع في المقبرة في الموضع الذي دفن فيه ويرجع فيما سوى ذلك لأن النبش قبيح، وحكي عن الحاكم المعروف بمهرويه أنه قال وجدت في النوادر عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه أجاز وقف المقبرة والطريق كما أجاز وقف المسجد وكذا القنطرة يتخذها الرجل للمسلمين ويتطرقون بها ولا يكون بناؤها ميراثا لورثته خص بناء القنطرة في بطلان الميراث قالوا تأويل ذلك إذا لم يكن موضع القنطرة ملك الباني وهو المعتاد، والظاهر أن الإنسان يتخذ القنطرة على النهر العام، وهذه المسألة دليل على جواز وقف البناء بدون الأصل، وذكر في الأصل أن وقف البناء بدون أصل الدار لا يجوز ولا يجوز وقف البناء في أرض هي عارية وإجارة فإن كانت ملكا لواقف البناء جاز عند البعض، وعن محمد رحمه الله تعالى إذا كان البناء في أرض وقف جاز على الجهة التي تكون الأرض وقفا عليها، وقف ضيعة <295\3> ولم يذكر حكمها إذا خلت عن أهلها قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى إن كان الواقف جعلها وقفا في صحته وحياته وقال وقفت هذه الضيعة على مسجد كذا ولم يزد على هذا ولم يجعل الوقف بلفظ الصدقة صح وتصرف غلته إلى الفقراء ولم يكن للورثة حق، وإن جعله وقفا في الحياة وبعد الموت أو بعد الممات بلفظ الصدقة صح وتصرف أيضا غلتها إلى الفقراء وإن لم يذكر لفظة الصدقة كان الوقف صحيحا، رجل وقف أرضا على جهة ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره ذكر هلال والناطفي رحمه الله تعالى أن الولاية تكون للواقف، وذكر محمد رحمه الله تعالى في السير أنه إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا تكون له الولاية بعد ذلك إلا أن يشترط الولاية لنفسه، وكذا لو مات الواقف وله وصي فالولاية تكون للقيم دون الوصي ومن المشايخ من قال الواقف أحق بالولاية وله أن يأخذها من المتولي ما لم يقض القاضي يعني ما لم يقض القاضي بلزوم الوقف وهذا المسألة بناء على أن عند محمد رحمه الله تعالى التسليم إلى المتولي شرط لصحة الوقف فلا يبقى له ولاية بعد التسليم إلا أن يشترط الولاية لنفسه، أما على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى التسليم إلى المتولي ليس بشرط فكانت الولاية للواقف وإن لم يشترط الولاية لنفسه، ومشايخ بلخ رحمهم الله تعالى أخذوا بقول أبي يوسف رحمه الله تعالى ومشايخنا أخذوا بقول محمد رحمه الله تعالى، ولو أن رجلا وقف وقفا وأخرجه من يده وسلمه إلى المتولي ذكر الناطفي رحمه الله تعالى ليس له أن يعزل المتولي إلا أن يشترط أن له عزله، فلو أن الواقف شرط الولاية لنفسه وشرط أن ليس للسلطان والقاضي عزله فإن لم يكن هو مأمونا في ولاية كان الشرط باطلا وللقاضي أن يعزله ويولي غيره ويكون هو كرجل أوصى إلى رجل في ولده وهو غير مأمون كان للقاضي أن يعزله، ولو أن رجلا جعل أرضه صدقة موقوفة فلما مرض مرض الموت أوصى إلى رجل وجعله وصي نفسه ولم يذكر من أمر الوقف شيئا فإن ولاية الوقف تكون إلى وصيه، ولو قال الواقف أنت وصي في أمر الوقف خاصة قال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو كما قال وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى هو وصي في الأشياء كلها، ولو أن هذا الواقف جعل ولاية الوقف إلى غيره ثم مات الواقف بطلت ولاية المتولي في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لأنه وكيله إلا أن يقول ولاية الوقف إليه في حياته وبعد وفاته فحينئذ إذا مات الواقف لا تبطل ولاية المتولي لأنه وصيه بعد موته ولو شرط الواقف أن تكون الولاية له ولأولاده في تولية القوام وعزلهم والاستبدال بالوقف وما هو من أنواع الولاية وأخرجه من يده إلى المتولي جاز ذلك ذكره في السير وإن لم يشترط لنفسه ولاية على عزل المتولي فبعد ما أخرجه إلى المتولي لا يكون له أن يعزله في قول محمد رحمه الله تعالى وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى له أن يعزله، ولو أن الواقف جعل ولاية الوقف إلى رجلين بعد موته ثم إن أحد الرجلين أوصى إلى صاحبه في أمر الوقف ومات جاز تصرف الحي منهما في <296 /3>جميع أمر الوقف ،وروى يوسف بن خالد التيمي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يجوز لأن الواقف رضي برأيهما ولم يرض برأي أحدهما، ولو أن الواقف جعل رجلا متوليا وشرط أنه إن مات هذا المتولي ليس له أن يوصي إلى غيره جاز هذا الشرط، ولو أن رجلا جعل أرضا له وقفا على الفقراء والمساكين أو على قوم سماهم ثم بعدهم على الفقراء ثم إن الواهب زرعها بعدما أخرجها إلى المتولي وقال زرعتها لنفسي وقال أهل الوقف زرعتها للوقف كان القول قول الواقف ويكون الزرع له فإن سأل أهل الوقف من القاضي أن يخرج الوقف من يده بذلك فإن القاضي لا يخرج، ولو كان فعل هذا متولي الوقف فإن القاضي يخرج الوقف من يده بذلك وعلى الواقف والمتولي في هذا ضمان نقصان الوقف وليس عليهما أجر مثل الأرض ثم يقول القاضي للواقف ازرعها للوقف فإن قال ليس للوقف مال أزرع للوقف ولا لأهل الوقف فإن القاضي يقول له استدن على الوقف بثمن البذر والنفقة ثم يرجع بذلك في غلة الوقف فإن قال الواقف لا يمكنني ذلك يقول القاضي لأهل الوقف استدينوا أنتم فإن قالوا لا يمكننا ذلك بل نحن نزرع لأنفسنا فإنه لا ينبغي للقاضي أن يطلق لهم ذلك لأن الوقف في يد الواقف فهو أحق بالقيام به إلا أن يكون الواقف مخوفا على الوقف فيخرجه من يده، رجل وقف ضيعة في صحته على الفقراء وأخرجها من يده إلى المتولي ثم قال لوصيه عند الموت أعط من غلة تلك الضيعة لفلان كذا ولفلان كذا وقال لوصيه افعل ما رأيت من الصواب فجعله لأولئك باطل لأنها صارت حقا للفقراء أولا فلا يملك إبطال حقهم إلا إذا كان شرط الواقف أن يصرف غلتها إلى من شاء، رجل طلب التولية في الأوقاف قالوا لا يعطى له التولية وهو كمن طلب القضاء لا يقلد، رجل وقف وقفا في حياته ولم يجعل له قيما حتى حضرته الوفاة فأوصى إلى رجل قالوا بأن هذا الوصي يكون وصيا وقي ما على أوقافه أيضا في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لأن عنده التسليم ليس بشرط فيصح الوقف في حياته بغير تسليم، ولو كان هذا الواقف جعل للوقف قي ما فلما حضرته الوفاة أوصى إلى رجل فإن هذا الوصي لا يكون قيما على أوقافه يعني لا يكون متوليا، وقف صحيح على مسجد بعينه وله قيم فمات القيم فاجتمع أهل المسجد وجعلوا رجلا متوليا بغير أمر القاضي فقام هذا المتولي بعمارة المسجد من غلات وقف المسجد اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى في هذه التولية والأصح أنها لا تصح ويكون نصب القيم إلى القاضي ولا يكون هذا المتولي ضامنا لما أنفق في العمارة من غلات الوقف إن كان هذا المتولي أجر الوقف وأخذ الغلة وأنفق لأنه إذا لم تصح التولية يصير غاصبا والغاصب إذا آجر الغصب كان الأجر له، وقف على أرباب معلومين يحصي عددهم فنصب الأرباب متوليا من غير رأي القاضي صح ذلك منهم إذا كان هذا المتولي من أهل الصلاح ولا يكون فاسقا، والأولى أن يرفع <297\3> الأمر إلى القاضي حتى ينصب قيما، قالوا في زماننا الأولى أن لا يرفع الأمر إلى القاضي لأن في زماننا ظهر الأطماع الفاسدة من القضاة ومع هذا لا يكون لأهل المسجد نصب القيم والمتولي بدون استطلاع رأي القاضي، رجل بنى مسجدا في سكة فاحتاج إلى العمارة فنازعه أهل السكة في العمارة كان الباني بالعمارة أولى من أهل السكة ولا يكون لأهل السكة منازعة في ذلك وكذلك لو نازعه أهل السكة في نصب الإمام والمؤذن كان ذلك إليه إلا إذا عين هو لذلك رجلا وعين أهل السكة رجلا آخر أصلح ممن عينه الباني فحينئذ لا يكون الباني أولى، وقف له متول ومشرف لا يكون للمشرف أن يتصرف في مال الوقف لأن ذلك مفوض إلى المتولي والمشرف مأمور بالحفظ لا غير، رجل قال في مرضه اشتروا من غلة داري هذه بعد موتي كل شهر بعشرة دراهم خبزا وفرقوا على المساكين قالوا تصير الدار وقفا كما لو قال وقفت داري بعد موتي على المساكين، المتولي إذا اشترى من غلة المسجد حانوتا أو دارا أو مستغلا آخر جاز لأن هذا من مصالح المسجد، فإذا أراد المتولي أن يبيع ما اشترى وباع اختلفوا فيه قال بعضهم لا يجوز هذا البيع لأن هذا صار من أوقاف المسجد وقال بعضهم يجوز هذا البيع وهو الصحيح لأن المشتري لم يذكر شيئا من شرائط الوقف فلا يكون ما اشترى من جملة أوقاف المسجد، مسجد له مستغلات وأوقاف أراد المتولي أن يشتري من غلة الوقف للمسجد دهنا أو حصيرا أو حشيشا أو آجرا أو جصا لفرش المسجد أو حصى قالوا إن وسع الواقف ذلك للقيم وقال تفعل ما ترى من مصلحة المسجد كان له أن يشتري للمسجد ما شاء، وإن لم يوسع ذلك ولكنه وقف لبناء المسجد وعمارة المسجد ليس للقيم أن يشتري ما ذكرنا لأن هذا ليس من العمارة ولا من البناء وإن لم يعرف شرط الواقف في ذلك ينظر هذا القيم إلى من كان قبله فإن كانوا يشترون من أوقاف المسجد الدهن والحصير والحشيش والآجر وما ذكرنا كان للقيم أن يفعل ذلك وإلا فلا، وقف ومستغل ذكر الواقف في كتاب الوقف أن القيم يشتري جنازة لا يجوز للقيم أن يشتري جنازة من غلة الوقف، ولو اشترى ونقد الثمن من غلة الوقف يكون ضامنا لأن مستغل المسجد يكون وقفا على مصالح المسجد وشراء الجنازة ليس من مصالح المسجد، ولو اشترى القيم بغلة المسجد ثوبا ودفع إلى المساكين لا يجوز وكان عليه ضمان ما نقد من مال الوقف لأن شراء الثوب وقع للقيم فيصير ناقد الثمن من مال الوقف كثوب اشتراه لنفسه فيضمن، قيم الوقف إذا طلب منه الخراج والجباية وليس في يده من غلة الوقف شيء قال الفقيه أبو القاسم رحمه الله تعالى إن كان الواقف أمره بالاستدانة كان له أن يستدين وإن لم يأمره بالاستدانة فاستدان كان ذلك في ماله ولا يرجع في غلة الوقف، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إذا استقبله أمر ولم يجد بدا من الاستدانة فينبغي أن يستدين بأمر الحاكم <298\3> ثم يرجع في الغلة لأن للقاضي ولاية الاستدانة على الوقف وذكر الناطفي رحمه الله تعالى إذا أراد القيم أن يستدين ليجعل ذلك في ثمن البذر للزراعة في أرض الوقف إن فعل ذلك بأمر القاضي كان له ذلك عند الكل لأن القاضي يملك الاستدانة فإذا أمر القيم بذلك صح أمره أما القيم لا يملك الاستدانة قال مولانا رضي الله عنه وتفسير الاستدانة أن يشتري للوقف شيئا وليس في يده شيء من غلات الوقف ليرجع بذلك فيما يحدث من غلة الوقف، فأما إذا كان في يده شيء من غلات الوقف فاشترى للوقف شيئا فنقد الثمن من مال نفسه ينبغي له أن يرجع بذلك في غلة الوقف وإن لم يكن ذلك بأمر القاضي كالوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من مال نفسه كان له أن يرجع بذلك على الموكل ولو أن القيم أراد أن يرهن الوقف بدين لا يصح لأن في ذلك تعطيل الوقف وكما لا يصح ذلك من المتولي لا يصح من أهل المسجد أيضا، فإن رهن القيم دارا للوقف وسكن المرتهن فيها قالوا يجب عليه أجر المثل سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم تكن احتياطا لأمر الوقف، وكذلك متولي المسجد إذا باع الدار الموقوفة وسكنها المشتري ثم إن القاضي عزل هذا المتولي وجعل غيره متوليا فادعى المتولي الثاني على المشتري واستحق الوقف واسترده كان على المشتري أجر مثل هذه الدر، قال مولانا رضي الله عنه وهذا شيء يخالف ظاهر الرواية وإنما قال ذلك بعض المشايخ رحمهم الله تعالى احتياطا لأمر الوقف، أكار تناول من مال الوقف فصالحه المتولي على شيء إن وجد المتولي بينة على ما ادعى أو كان الأكار مقرا لا يملك المتولي أن يحط شيئا منه إن كان الأكار غنيا وإن كان محتاجا جاز ذلك إذا لم يكن ما على الأكار فاحشا، متولي الوقف إذا مرض مرض الموت وفوض أمر الوقف إلى غيره جاز لأن المتولي بمنزلة الوصي وللوصي أن يوصي إلى غيره، متولي المسجد إذا أخذ من غلات المسجد ومات من غير بيان لا يكون ضمنا ذكر الناطفي رحمه الله تعالى الأمانات تنقلب مضمونة بالموت عن تجهيل إلا في ثلاث، إحداها هذه والثانية السلطان إذا خرج إلى الغزو وغنموا وأودع بعض الغنيمة عند بعض الغانمين ومات ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه، والثالثة القاضي إذا أخذ مال اليتيم وأودع عند غيره ثم مات ولم يبين عند من أودع لا ضمان عليه، وأحد المتفاوضين إذا كان المال عنده ولم يبين حال المال الذي عنده فمات ذكر بعض الفقهاء أنه لا يضمن وأحاله إلى شركة الأصل وذلك غلط بل الصحيح أنه يضمن نصيب صاحبه، ولو أن قاضيا قبض مال اليتيم ووضعه في بيته فمات القاضي ولم يبين ذكر هشام عن محمد رحمهما الله تعالى أنه يضمن، ولو أن القاضي أخذ مال اليتيم وأودع عند غيره وعرف ذلك منه ثم مات ولا يدري إلى من دفع لا يضمن، وذكر ابن رستم رحمه الله تعالى لو قال القاضي في حياته ضاع مال اليتيم عندي أو قال أنفقته على اليتيم لا ضمان عليه <299\3> ولو مات قبل أن يقول شيئا كان ضامنا، حشيش المسجد إذا طرح في أيام الربيع عن المسجد قالوا إن لم يكن له قيمة لا بأس بطرحه وإذا طرح فمن أخذه كان له أن يصنع به ما شاء وإن كان متقوما لا يجوز طرحه وإذا طرح فرفعه إنسان كان ضامنا، ولو أخذ إنسان من حشيش المسجد وجعله قطعا قطعا بالسوط كان ضامنا، جنازة أو نعش للمسجد فسد فباعه أهل المسجد قالوا الأولى أن يكون البيع بأمر القاضي والصحيح أن بيعهم لا يصح بغير أمر القاضي ولا بأس بأن يترك سراج المسجد في المسجد من وقت المغرب إلى وقت العشاء ولا يجوز أن يترك فيه كل الليل إلا في موضع جرت العادة فيه كمسجد بيت المقدس ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم والحرم فإن أراد إنسان أن يدرس الكتاب بسراج المسجد إن كان السراج موضوعا في المسجد للصلاة قيل لا بأس به، وإن كان موضوعا في المسجد لا للصلاة بأن فرغ القوم عن صلاتهم وذهبوا إلى بيوتهم وبقي السراج في المسجد قالوا لا بأس بأن يدرس به إلى ثلث الليل لأنهم لو أخروا الصلاة إلى ثلث الليل لا بأس بأن يدرس به فلا يبطل حقه بتعجيلهم وفيما زاد على ثلث الليل ليس لهم تأخير الصلاة فلا يكون لهم حق الدرس، قوم بنوا مسجدا وفضل من خشبهم شيء قالوا يصرف الفاضل إلى بنائه ولا يصرف إلى الدهن والحصير وهذا إذا سلم أصحاب الخشب الخشب إلى المتولي ليبني به المسجد، فلوا أنهم قطعوا الخشب فما فضل من خشبهم يكون لهم يفعلون به ما شاءوا، رجل جمع مالا من الناس لينفقه في بناء المسجد وأنفق من تلك الدراهم في حاجة نفسه ثم رد بدلها في نفقة المسجد لا يسعه أن يفعل ذلك وإذا فعل إن كان يعرف صاحب المال رد الضمان عليه أو يسأله ليأذن له بإنفاق الضمان في المسجد، وإن لم يعرف صاحب المال يرفع الأمر إلى القاضي حتى يأمره بإنفاق ذلك في المسجد فإن لم يقدر على أن يرفع الأمر إلى القاضي قالوا نرجو له في الاستحسان أن ينفق مثل ذلك من ماله في المسجد فيجوز ويخرج عن الوبال فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء يكون ضامنا فيكون ذلك دينا عليه لصاحب المال، وهو نظير ما ذكر في الأصل الوكيل بقضاء الدين إذا صرف مال الموكل في حاجة نفسه ثم قضى بمال نفسه دين الموكل يكون متبرعا في قضاء دين الموكل، المذكر إذا سأل للفقير شيئا وخلط ما أخذ بعضها ببعض إن لم يأمره الفقير بالسؤال والأخذ يكون ضامنا فإن أدى ذلك المال بعد ذلك إلى الفقير يكون متصدقا لنفسه من مال نفسه ولا يجزي ذلك عن أرباب الأموال، وإن كانوا دفعوا إليه بنية الزكاة لا تسقط زكاتهم وإن كان الفقير أمره أن يسأل له فأخذ المال وخلط البعض بالبعض ثم دفع إلى الفقير لا يضمن وهو الرجل الذي يقال له بأي مرد إذا قام وسأل للفقير شيئا وخلط المال بعضه ببعض ثم دفع إلى الفقير إن لم يكن الفقير أمره بذلك كان ضامنا ولا يسقط عن أرباب الأموال زكاة مالهم إذا دفعوا بنية الزكاة، وينبغي أن يأمره <300\3> الفقير بالسؤال فيصير قائما مقام الفقير مأذونا بالخلط فيسقط عن الدافع زكاة ماله، حوانيت مال بعضها إلى بعض والأول منها وقف والباقي ملك والمتولي لا يعمر الوقف قال أبو القاسم رحمه الله تعالى إن كان للوقف غلة كان لأصحاب الحوانيت التي هي ملك أن يأخذوا القيم ليسوي ذلك الحائط المائل من غلة الوقف وإن لم يكن للوقف غلة في يد القيم رفعوا الأمر إلى القاضي ليأمر القاضي القيم بالاستدانة على الوقف في إصلاح الوقف وليس للقيم أنه يستدين بغير أمر القاضي وتفسير الاستدانة أن لا يكون للوقف غلة فيحتاج إلى القرض والاستدانة، أما إذا كان للوقف غلة فأنفق من مال نفسه لإصلاح الوقف كان له أن يرجع بذلك في غلة الوقف، حائط بين دارين أحدهما وقف الآخر ملك فانهدم الحائط فبناه صاحب الملك في حد دار الوقف قال أبو القاسم رحمه الله تعالى يرفع القيم الأمر إلى القاضي حتى يجبر صاحب الملك بأن ينقض الحائط الذي بناه في حد دار الوقف ثم يبنيه حيث كان في القديم، ولو أن القيم قال للباني أعطيك قيمة بنائك وأقر الحائط حيث بنيت وأنت تبني لنفسك حائطا في حدك قال أبو القاسم رحمه الله تعالى ليس للقيم ذلك بل يأمر صاحب الدار لينقض حائطه ثم يبنيه في الموضع الذي كان في القديم، رجل جعل أرضه وقفا على المساكين وقفا صحيحا ولم يذكر العمارة فعمارتها تكون في غلة الأرض يبدأ من الغلة بالعمارة وبما يصلحها وبخراجها وبمؤنها ثم يقسم الباقي على المساكين، فإن كان في الأرض الموقوفة نخل وخاف القيم هلاكها كان للقيم أن يشتري من غلة الوقف فسيلا ويغرسه كي لا ينقطع، ولو كانت قطعة من هذه الأرض سبخة لا تنبت شيئا فيحتاج إلى رفع وجهها وإصلاحها حتى تنبت كان للقيم أن يبدأ من جملة غلة الأرض في ذلك ويصلح القطعة، وإن أراد القيم أن يبني في الأرض الموقوفة قرية لأكرتها وحفاظها ليجمع فيها الغلة كان له أن يفعل ذلك، وكذا لو كان الوقف خانا على الفقراء واحتاج إلى خادم يكسح الخان ويقوم بفتح بابه وسده فسلم بعض البيوت إلى رجل أجرة له ليقوم بذلك كان له ذلك، وإن أراد قيم الوقف أن يبني في الأرض الموقوفة بيوتا يستغلها بالإجارة لا يكون له ذلك لأن استغلال أرض الوقف يكون بالزرع، ولو كانت الأرض متصلة ببيوت المصر يرغب الناس في استئجار بيوتها ويكون غلة ذلك فوق غلة الزرع والنخل كان للقيم أن يبني فيها بيوتا ويؤاجرها لأن الاستغلال بهذا الوجه يكون أنفع للفقراء، وروي عن محمد رحمه الله تعالى ما هو فوق هذا قال إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن الاستغلال والقيم يجد بثمنها أرضا أخرى هي أنفع للفقراء وأكثر ريعا كان له أن يبيع هذه الأرض ويشتري بثمنها أرضا أخرى جوز رحمه الله تعالى استبدال الأرض بالأرض، بخلاف ما إذا كانت الأرض الموقوفة تبعد من بيوت المصر فإن ثمة لا يكون للقيم أن يبني فيها بيوتا يؤاجرها <301\3> لأن ثمة لا يرغب الناس في استئجار البيوت بأجرة تربى منفعتها على منفعة الزراعة، وعن هشام رحمه الله تعالى قال سمعت محمدا رحمه الله تعالى يقول إذا صار الوقف بحيث لا ينتفع به المساكين للقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره وليس ذلك إلا للقاضي، وعن الفقيه أبي جعفر رحمه الله تعالى قال إذا لم يشترط الواقف في وقف الأرض دفعها مزارعة أو إجارة فما كان أنفع للفقراء يفعل قال إلا أنه في الدور لا يؤاجرها أكثر من سنة لأن المدة إذا طالت تصرف المستأجر فيها تصرف المالك على طول الزمان فكل من يراه يزعم أنه يتصرف بحكم الملك فيؤدي ذلك إلى إبطال الوقف فأما في الأرض إن كانت تزرع كل سنة فكذلك، وإن كانت تزرع في كل سنتين مرة أو في كل ثلاث سنين مرة يزرع فزرع في كل سنة طائفة منها ينبغي أن يشترط من المدة القدر الذي يمكن المستأجر من زراعة الكل على سبيل العادة، فإن كان الواقف شرط أن لا يؤاجر أكثر من سنة والناس لا يرغبون في استئجارها وكانت إجارتها أكثر من سنة أنفع للفقراء فليس للقيم أن يؤاجرها أكثر من سنة ولكنه يرفع الأمر إلى القاضي حتى يؤاجرها القاضي أكثر من سنة لأن للقاضي ولاية النظر على الفقراء وعلى الميت أيضا فإن كان الواقف شرط في الوقف وكتب في صك الوقف أن لا يؤاجر أكثر من سنة إلا إذا كان ذلك أنفع للفقراء كان للقيم أن يؤاجرها بنفسه أكثر من سنة إذا رأى ذلك خيرا ولا يحتاج إلى القاضي، وسيأتي مسائل إجارة الوقف بعد هذا وإذا اجتمع من غلة أرض الوقف في يد القيم فظهر له وجه من وجوه البر والوقف محتاج إلى الإصلاح والعمارة أيضا ويخاف القيم أنه لو صرف الغلة إلى المرمة يفوته ذلك البر فإنه ينظر إن لم يكن في تأخير إصلاح الأرض ومرمتها إلى الغلة الثانية ضرر بين يخاف خراب الوقف فإنه يصرف الغلة إلى ذلك البر ويؤخر المرمة إلى الغلة الثانية، وإن كان في تأخر المرمة ضرر بين فإنه يصرف الغلة إلى المرمة فإن فضل شيء يصرفه إلى ذلك البر، والمراد من وجه البر ههنا وجه فيه تصدق بالغلة على نوع من الفقراء نحو فك أسارى المسلمين أو إعانة الغازي المنقطع لأن هؤلاء من أهل التصدق عليهم فجاز صرف الغلة إليهم، فأما عمارة المسجد والرباط ونحو ذلك مما ليس بأهل للتملك لا يجوز صرف الغلة إليه لأن التصدق عبارة عن التمليك فلا يصح إلا ممن هو من أهل التملك، رجل وقف ضيعة على مواليه وقفا صحيحا فمات الواقف وجعل القاضي الوقف في يد قيم وجعل للقيم عشر الغلات وفي الوقف طاحونة في يد رجل بالمقاطعة لا حاجة فيها إلى القيم وأصحاب هذه الطاحونة يقبضون غلتها لا يجب للقيم عشر غلة هذه الطاحونة لأن القيم ما يأخذ يأخذ بطريق الأجر فلا يستوجب الأجر بدون العمل، رجل وقف ضيعة وشرط الواقف أن يعطى القيم غلتها من شاء جاز وللقيم أن يعطي الأغنياء والفقراء، رجل جاء إلى المفتي وقال إني أريد أن أتقرب إلى الله <302\3> تعالى أبني رباطا للمسلمين أو أعتق العبيد وأراد أن يتقرب إلى الله تعالى بداره فسأل أبيعها وأتصدق بثمنها أو أشتري بثمنها عبيدا فأعتقهم أو أجعلها دار للمسلمين أي ذلك يكون أفضل قالوا يقال له إن بنيت رباطا وتجعل لها وقفا لعمارتها فالرباط أفضل لأنه أدوم وأعم نفعا وإن لم تجعل للرباط مستغلا للعمارة فالأفضل أن تبيع وتتصدق بثمنه على المساكين (* فصل في وقف المشاع وفيما يدخل في الوقف تبعا بدون ذكر وفى الشروط في الوقف ما يبطل وما لا يبطل *) أما فصل المشاع أرض بين شريكين وقف أحدهما نصيبه مشاعا جاز في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وبه أخذ مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى وبه أخذ مشايخنا وأفتوا به ثم فرع على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى قال لو أنهما اقتسما الأرض بعد ذلك ووقعت قطعة في نصيب الواقف تتعين تلك القطعة للوقف ولا يحتاج إلى إعادة الوقف فيها وإن وقف المقسوم كان أحوط هذا إذا كانت الأرض مشتركة فإن كانت الأرض كلها له ووقف نصفها ينبغي أن يبيع النصف بعد لك ثم يقتسمان فإن لم يبع ولكن رفع الأمر إلى القاضي فأمر القاضي رجلا بالقسمة معه جاز * ولو وقف مشاعا ولم يجز في قول محمد رحمه الله تعالى ورفع الأمر إلى القاضي وقضى بجواز الوقف جاز لأن قضاء القاضي في المجتهد يرفع الخلاف * فإن طلبوا القسمة من القاضي قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يقسم القاضي ويأمرهم بالمهايأة * وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يقسم القاضي هذا إذا كان بعض الأرض ملكا والبعض وقفا * فإن كان الكل وقفا على أرباب فأراد الأرباب قسمة الأراضي بينهم لا يقسم القاضي * ولو أن قرية بعضها وقف على قول من يرى وقف المشاع وبعضها سلطاني يعني المملكة وبعضها ملك فأرادوا قسمة بعضها ليتعين الملك فيجعلوها مقبرة قالوا إن أرادوا قسمة موضع من هذه القرية لا يجوز لأن المقصود من القسمة تمييز الوقف من غيره وبهذه القسمة لا يتعين الملك عن الوقف فإن أرادوا قسمة كل القرية على مقدار نصيب كل فريق جازت القسمة لأن هذه القسمة تفيد التمييز بين الوقف وغيره * حانوت بين شريكين وقف أحدهما نصيبه وأراد الواقف أن يضرب لوح الوقف على بابه فمنعه الشريك ليس له أن يضرب اللوح لأن ذلك تصرف في محل مشترك فإن رفع الأمر إلى القاضي فأذن له القاضي بذلك جاز صيانة للوقف عن البطلان * رجل وقف نصف الحمام جاز عند الكل لأنه مما لا يحتمل القسمة فجاز وقفه كهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة * امرأة وقفت دارا في مرضها على ثلاث بنات لها وأخرها للفقراء وليس لها ملك غير الدار ولا وارث لها غيرهن قالوا ثلث الدار وقف والثلثان لهن يصنعن ما شئن * وهذا قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لأن عنده وقف المشاع جائز * وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا يجوز * والفتوى على قول محمد رحمه الله تعالى * ثم على قول محمد لو أن الأرض بين رجلين فتصدقا بها صدقة موقوفة على المساكين أو على وجه من وجوه البر التي يجوز الوقف عليها ودفعاها إلى قيم يقوم عليها كان جائزا لأن عند محمد رحمه الله تعالى المانع من الجواز هو الشيوع وقت القبض لا وقت العقد وههنا لم يوجد الشيوع وقت العقد لأنه ما تصدقا بالأرض جملة ولا وقت القبض سلما الأرض جملة ولو تصدق كل واحد منهما بنصف هذه الأرض مشاعا صدقة موقوفة وجعل كل واحد لوقفه متوليا على حدة لا يجوز لوجود الشيوع وقت العقد لأن كل واحدا منهما باشر عقدا على حدة ويمكن الشيوع وقت القبض أيضا لأن كل واحد من المتوليين قبض نصفا شائعا فإن قال كل واحد منهما للذي جعله متوليا في نصيبه اقبض نصيبي مع نصيب صاحبي جاز * ولو تصدق أحدهما بنصف الأرض صدقة موقوفة على المساكين ثم تصدق الآخر بنصفه صدقة موقوفة على المساكين وجعلا لذلك قيما واحدا جاز لأنه إن وجد الشيوع وقت العقد لم يوجد وقت القبض لأن المتولي قبض الأرض جملة وهما سلما إليه جملة * وكذلك لو جعلا التولية إلى رجلين معا لأنهما صارا كمتول واحد * وكذلك ولو اختلفت جهة الوقف بأن وقف أحدهما على ولده وولد ولده أبدا ما تناسلوا فإن اقرضوا كانت غلتها على المساكين وجعل الآخر نصف الأرض وقفا على أخوته وآل بيته فإذا انقرضوا كانت غلتها في الحج يحج في كل سنة وسلماها إلى رجل واحد جاز * وكذا لو كان الواقف واحدا فجعل نصف الأرض وقفا على الفقراء مشاعا والنصف الآخر على أمر آخر فهو جائز وهذا كله قول محمد رحمه الله تعالى * أما على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يجوز الوقف في جميع الوجوه لأن عنده يجوز الوقف غير مقبوض فيجوز غير مقسوم * رجل قال جعلت هذه الأرض صدقة موقوفة أو هذه الأرض الأخرى وبين وجه الصرف كان باطلا لمكان الجهالة * ولو قال جعلت نصيبي من هذه الدار وقفا وهو ثلث جميع الدار فوجدت حصته نصف الدار أو ثلثي الدار كان جميع ذلك وقفا وكذلك في الوصية إذ قال أوصيت لفلان بثلث مالي وهو ألف درهم فوجد ثلث ماله أربعة آلاف كان الكل للموصى له * ولو كان هذا في البيع كان للمشتري القدر المسمى * دور بين اثنين أو أراض بين اثنين وقف أحدهما نصيبه على جهة البر ثم أراد القسمة فقسم القاضي بينهما فجمع الوقف كله في دار واحدة أو أرض واحدة جاز في قول هلال وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى كما لو كان بينهما داران وطلبا القسمة فجمع القاضي نصيب أحدهما في دار ونصيب الآخر في دار جاز ذلك فكذلك ههنا إلا أن ثمة يجوز سواء كان في مصر واحد أو في مصرين وههنا في المصر الواحد يقسم القاضي وفي مصرين لا يقسم * وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى القاضي يقسم كل دار على

حدة وأرض على حدة إلا أن يرى القاضي الصلاح في الجمع فيجمع الوقف كله في أرض واحدة ودار واحدة فتصير عند جمع القاضي في الحكم كأن الشريكين اقتسما بأنفسهما وذلك جائز * ولو أن رجلين بينهما أرض فوقف أحدهما نصيبه جاز في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى * فلو أن الواقف مع شريكه اقتسما وأدخلا في القسمة دراهم معلومة إن كان الواقف هو الذي يأخذ الدراهم مع طائفة من الأرض لا يجوز لأن الواقف يصير بائعا شيأ من الوقف بالدراهم وذلك فاسد * وإن كان الواقف هو الذي أعطى الدراهم جاز ويصير كأنه أخذ الوقف واشترى بعض ما ليس بوقف من نصيب شريكه بالدراهم فيجوز ثم حصة الوقف وقف وما اشترى بالدراهم فذلك ملك له ولا يكون وقفا حتى لا يتصدق بشيء فإن احتاج إلى تمييز الوقف عن الملك رفع الأمر إلى القاضي حتى ينصب قيما فيقاسمه * رجل وقف جريبا شائعا من أرض ثم انقسم فأصاب الوقف أقل من جريب بجودة هذه الطائفة التي وقعت في الوقف وزيد في ذرعان الطائفة الأخرى أو على العكس جاز لأن مثل هذه القسمة يجوز في الملك كذلك في الوقف إذا كان فيه صلاح الوقف لتحقق المعادلة * رجل له دور أو أراض ووقف من تلك الأراضي أرضا بعينها أو دارا من تلك الدور ثم أراد أن يصرف الوقف إلى أرض أخرى أو إلى دار أخرى ويجعل الأرض التي وقفها لنفسه فهذه منه مناقلة الوقف إلى غير الوقف إن لم يكن الواقف شرط لنفسه الاستبدال في أصل الوقف لا تجوز هذه المناقلة وإن كان شرط الاستبدال جاز وهو وما لو شرط لنفسه الاستبدال في أصل الوقف سواء * رجل قال وقفت من هذه الأرض شيأ ولم يسم كان باطلا لأن الشيء يتناول القليل والكثير * ولو بين بعد ذلك ربما بين شيأ قليلا لا يوقف عادة *

فصل في مسائل الشرط في الوقف

Page 171