Fatāwā Qāḍīkhān
فتاوى قاضيخان
فصل في ألفاظ الوقف أحدها أن يقول أرضي هذه صدقة ولم يزد على هذا قالوا جميعا ينبغي لهذا الواقف أن يتصدق بأصلها على الفقراء ولو باعها وتصدق بثمنها جاز أيضا كما لو باع مال الزكاة وأدى الزكاة من الثمن ولا يجبره القاضي على الصدقة لأن هذا بمنزلة النذر بالصدقة عند الكل ولو قال أرضي وبين حدودها موقوفة ولم يزد على هذا لا يجوز عند عامة مجيزي الوقف وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يجوز ويكون وقفا على المساكين، ولو قال داري هذه موقوفة صدقة أو صدقة موقوفة ولم يزد على ذلك جاز في قول أبي يوسف ومحمد وهلال المرادي رحمهم الله تعالى ويكون وقفا على الفقراء، وقال يوسف بن خالد التيمي رحمه الله تعالى لا يجوز ما لم يقل وآخرها للمساكين أبدا والصحيح قول أصحابنا رحمهم الله تعالى لأن محل الصدقة في الأصل الفقراء فلا يحتاج إلى ذكر الفقراء ولا انقطاع للفقراء فلا يحتاج إلى ذكر الأبد أيضا، ولو قال صدقة موقوفة مؤبدة جاز عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى إلا أن عند محمد رحمه الله تعالى يحتاج إلى التسليم وعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى يكون نذرا بالصدقة بغلة الأرض ويبقى ملك الواقف على حاله لو مات يكون ميراثا عنه، ولو قال صدقة موقوفة مؤبدة في حياتي وبعد وفاتي جاز عندهم إلا أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى ما دام حيا كان هذا نذرا بالتصدق بالغلة فكان عليه الوفاء بما نذر وله أن يرجع عنه ولو لم يرجع حتى مات جاز من الثلث ويكون سبيله سبيل من أوصى بخدمة عبده لإنسان فإن الخدمة تكون للموصى له والرقبة تكون على ملك المالك حتى لو مات الموصى له بالخدمة يصير العبد ميراثا لورثة المالك إلا أن في هذا الوقف لا يتوهم انقطاع الموصى لهم وهم الفقراء فتتأبد هذه الوصية، ولو قال أرضي هذه وقف ولم يزد على ذلك قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى كان أبو القاسم الصفار رحمه الله تعالى يقول هو على الاختلاف الذي ذكرنا في قوله موقوفة، ولو قال أرضي هذه محرمة صدقة <287\3> جاز ويكون هذا بمنزلة قوله موقوفة صدقة لأن المحرمة بمنزلة قوله موقوفة في لغة أهل المدينة، ولو قال حبست أرضي هذه أو أرضي هذه حبيس لا يكون وقفا في قولهم ولو قال حرمت أرضي هذه أو هي محرمة قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى هذا على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى كقوله موقوفة، ولو قال حبيس موقوف أو حبيس وقف فهو باطل، ولو قال حبيس صدقة قال الفقيه هذا رحمه الله تعالى ينبغي أن يكون بمنزلة قوله صدقة موقوفة، ولو قال هي موقوفة لله تعالى أبدا جاز وإن لم يذكر الصدقة ويكون وقفا على المساكين، وكذا لو قال صدقة موقوفة على المساكين ولم يقل أبدا، وكذا لو قال موقوفة لوجه الله تعالى أو موقوفة لطلب ثواب الله تعالى، ولو أوصى بأن يوقف ثلث أرضه بعد وفاته لله تعالى أبدا يكون وصية بالوقف على الفقراء، ولو قال أرضي هذه صدقة موقوفة على فلان صح ويصير تقديره صدقة موقوفة على الفقراء لأن محل الصدقة الفقراء إلا أن غلتها تكون لفلان ما دام حيا، وكذا لو قال صدقة موقوفة على فلان أبدا أو قال على ولدي أبدا كان الجواب كذلك لأنه يصح من غير ذكر الأبد فمع ذكر الأبد أولى، وعلى قول يوسف بن خالد لا يصح وإن ذكر أبدا لأن ذكر لفظ أبدا مضاف إلى الصدقة على فلان وفلان لا يتأبد فيلغو هذا اللفظ، وكذا لو قال أرضي هذه موقوفة على وجه البر أو على وجه الخير أو على وجوه الخير والبر يكون وقفا صحيحا على الفقراء لأن البر عبارة عن الصدقة، ولو قال أرضي هذه موقوفة على الجهاد أو في الجهاد أو في الغزو أو في أكفان الموتى أو في حفر القبور أو غير ذلك من سبيل البر مما يتأبد فإنه يصح ويكون وقفا على ذلك السبيل قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى متى ذكر موضع الحاجة على وجه يتأبد فذلك يكفي عن ذكر الصدقة وكذا لو قال موقوفة على أبناء السبيل لأنهم لا ينقطعون ويكون الفقراء أبناء السبيل دون أغنيائهم بمنزلة خمس الغنيمة تصرف إلى فقراء أبناء السبيل دون أغنيائهم، وكذا لو قال على الزمني أو على المنقطع صح لأنهم يتأبدون ويكون لفقرائهم، ولو قال أرضي موقوفة على فقراء قرابتي لا يصح، وكذا لو قال على ولدي لأنهم ينقطعون فلا يتأبد الوقف وبدون التأبد لا يصح إلا أن يجعل آخره للفقراء، ولو قال على فقراء بني فلان أو على يتامى بني فلان فإن كانوا يحصون وكان ذلك في الصحة لا يصح لأنه لا يتأبد، وإن كانوا لا يحصون صح ويصير بمنزلة الوقف على اليتامى مطلقا أو على الفقراء مطلقا، فرق أبو يوسف رحمه الله تعالى بين قوله أرضي موقوفة وبين قوله أرضي موقوفة على ولدي فإن الأول يصح والثاني لا يصح لأن مطلق قوله موقوفة ينصرف إلى الفقراء عرفا فإذا ذكر الولد صار مقيدا فلا يبقى العرف، ولو وقف أرضه على مسجد قوم بأعيانهم ولم يجعل آخره للمساكين اختلف المشايخ فيه قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى ينبغي أن يكون هذا على الاختلاف بين أصحابنا رحمهم الله تعالى <288\3> وعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا يصح وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى يصح لأن عند محمد رحمه الله تعالى إذا خرب حول المسجد واستغنى الناس عنه يعود إلى ملك الباني فلا يتأبد وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يبقى المسجد بعد خراب ما حوله مسجدا فيكون مؤبدا، قال أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى ينبغي أن لا يصح هذا عند الكل لأن الوقف على المسجد يكون وقفا على عمارة المسجد والمسجد يكون مسجدا بدون البناء فلا يكون عمارة البنا مما يتأبد فلا يصح الوقف وقال أبو بكر بن أبي سعيد البلخي رحمه الله تعالى ينبغي أن يصح هذا عند الكل لأن البناء وإن لم يكن مسجدا يصير تبعا للمسجد عند الاتصال فيصير من المسجد حكما ألا ترى أن البناء حالة الاتصال يستحق بالشفعة تبعا للبقعة فيكون بناء المسجد بمنزلة جزء من المسجد فكان الوقف على عمارة المسجد بمنزلة جعل الأرض مسجدا أو بمنزلة زيادة في المسجد، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى هذا القول أصح وأحب إلي ولو قال أرضي هذه صدقة لا تباع يكون نذرا بالصدقة ولا يكون وقفا لأن قوله صدقة عبارة عن النذر وإذا أراد الرجل أن يقف أرضه على المسجد في عمارة المسجد وما يحتاج إليه من الدهن والحصير وغير ذلك على وجه لا يرد عليه الإبطال يقول وقفت أرضي هذه ويبين حدودها بحقوقها ومرافقها وقفا مؤبدا في حياتي وبعد وفاتي على أن يستغل ويبدأ من غلاتها بما فيه عمارة الوقف وأجر القوام عليها وأداء مؤنها فما فضل من ذلك يصرف إلى عمارة المسجد ودهنه وحصيره وما فيه مصلحة المسجد على أن للقيم أن يتصرف في ذلك على ما يرى، وإذا استغنى هذا المسجد يصرف إلى فقراء المسلمين فيجوز ذلك لأن جنس هذه القربة مما لا ينقطع ويبقى ما بقي الإسلام وإن أراد زيادة احتياط يؤكده بحكم الحاكم حتى يقضي القاضي بلزوم الوقف وبطلان رجوعه لأن الوقف وإن كان مضافا إلى ما بعد الموت عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يكون لازما للحال له أن يبيعه لأن عنده الوقف المضاف إلى ما بعد الموت بمنزلة الوصية بالغلة بعد الموت والوصية لا تلزم حالة الحياة وإنما تلزم بعد الموت كالوصية بخدمة العبد تلزم بعد الموت لا قبله فإذا قضى القاضي بلزومه في الحال وبطلان رجوعه يصير لازما عند الكل، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى إذا خاف الواقف أن يبطل وقفه بعض القضاة فللتحرز عن ذلك طريقان، أحدهما ما ذكرنا من حكم القاضي بلزومه وذلك أن الواقف بعد الوقف والتسليم إلى المتولي يخاصمه إلى قاض يرى لزوم الوقف ويطلب منه حتى يقضي بلزوم الوقف فإذا قضى نفذ قضاؤه لأنه صدر عن اجتهاد في محل الاجتهاد وسواء كتب قضاء القاضي بلزوم الوقف في سجل على حدة ويشهد الشهود على ذلك أو يكتب ذلك في آخر صك الوقف، والوجه الثاني أن يذكر الواقف بعد الوقف والتسليم فإن أبطله قاض أو غيره بوجه من الوجوه فهذه الأرض بأصلها وجميع ما فيها وصية من فلان الواقف <289\3> يباع فيتصدق بثمنه على الفقراء والمساكين لأن القاضي إنما يبطل الوقف بعد موت الواقف عند خصومة الوارث أو الغريم ليصل منفعة الوقف إليهم وبما ذكر الواقف وكتب ينعدم ذلك فلا يشتغل أحد بإبطاله لعدم الفائدة، والوصية مما يحتمل التعليق بالشرط فإذا أبطله قاض من القضاة يصير وصية يعتبر من جميع ماله هكذا ذكر في آخر وقف الأصل، قال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى والذي جرى الرسم به في زماننا أنهم يكتبون إقرار الواقف إن قاضيا من القضاة قضى بلزوم هذا الوقف فذلك ليس بشيء ولا يحصل به المقصود لأن إقراره لا يصير حجة على القاضي الذي يريد إبطاله ولو لم يكن القاضي قضى بلزوم الوقف فإقراره يكون كذبا محضا ولا رخصة في الكذب وبه لا يتم المقصود أيضا فربما يذهب اجتهاد هذا القاضي أن القضاء والإمارة من المجهول لا يصح فلا يحصل به المقصود وعن المتأخرين من المشايخ رحمهم الله تعالى أنه قال إذا كتب في آخر الصك وقد قضى بصحة هذا الوقف ولزومه قاض من قضاة المسلمين ولم يسم القاضي يجوز وتمسك هذا القائل بلفظ محمد رحمه الله تعالى في الكتاب إذا خاف الواقف أن يبطله القاضي فإنه يكتب في صك الوقف وإن حاكما من الحكام قضى بلزوم هذا الوقف ولم يذكر الكاتب اسم القاضي ونسبه ويمكن معرفة ذلك بالرجوع إلى صك الوقف فإذا علم تاريخ الصك يصير القاضي في ذلك الزمان معلوما فترتفع الجهالة، قال مولانا رحمه الله تعالى والصحيح ما قاله شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى أن ما يكتب في صك الوقف إن قاضيا من القضاة قضى بلزوم هذا الوقف وبطلان حق الرجوع ليس بشيء فإن محمدا رحمه الله تعالى ذكر في الزيادات رجل أقام شاهدين شهدا أن هذا المدعي وارث فلان الميت لا وارث له سواه ثم مات الشاهدان أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن سبب الميراث فإن القاضي لا يقضي بهذه الشهادة لأن أسباب الوراثة مختلفة فلا يدري القاضي بأي سبب يقضي، ولو أن هذا المدعي أقام شاهدين بأنه وارث فلان الميت لا وارث له سواه أو أن قاضي بلد كذا فلان بن فلان قضى بأنه وارثه لا وارث له سواه وأشهدنا على قضائه ولا ندري بأي سبب قضى القاضي بوراثته فإن القاضي يسأل المدعي عن السبب الذي قضى به فإن بين سببه يقضي له بالميراث فوجه الاستدلال بتلك المسألة أنه لما أراد أن يثبت قضاء القاضي شرط تعريف القاضي بالاسم والنسب ولم يكتف بقوله وإن قاضيا من القضاة قضى له بالوراثة كذلك في هذه المسألة وقوله إن قاضيا من القضاة قضى بلزوم هذا الوقف لا يكفي، رجل قال جعلت غلة داري هذه للمساكين يكون نذرا بالتصدق بالغلة، ولو قال جعلت هذه الدار للمساكين كان نذرا بالتصدق بعين الدار للمساكين للحال والله أعلم.
Page 162