Fatāwā Qāḍīkhān
فتاوى قاضيخان
فصل في الصدقة رجل محتاج أراد أن يتصدق بالدراهم التي معه على الفقراء قالوا إن كان لو تصدق على الفقراء يصبر على الشدة فالصدقة أفضل لآية نزلت فيه وهو قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وإن كان لا يصبر على الشدة فالإنفاق على نفسه أفضل لما روي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عندي دينار يا رسول الله فماذا أصنع به قال له عليه السلام أنفق على نفسك فقال الرجل عندي آخر فقال عليه السلام أنفق على عيالك فقال عندي آخر <284\3> فقال تصدق به، رجل في يده دراهم فقال لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم فتصدق بغيرها قال نصير رحمه الله تعالى جاز وإن لم يتصدق حتى هلكت تلك الدراهم في يده فلا شيء عليه، رجل أخرج كسرة إلى مسكين فلم يجده قال الحسن البصري رحمه الله تعالى يضعها حتى يجيء آخر فإن أكلها أطعم مثلها، وعن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى مثل هذا، وقال عامر الشعبي رحمه الله تعالى هو بالخيار إن شاء قضاها وإن شاء لم يقضها وما أخرجه للصدقة لا يكون صدقة إلا بالدفع إلا الفقير، وقال مجاهد رحمه الله تعالى هو بالخيار متى أخرج صدقة إن شاء أمضى وإن شاء لم يمض، وعن عطاء مثل هذا، وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى وسئل عن المكدين الذين يسألون الناس إلحافا ويأكلون إسرافا قالوا ما لم يظهر أن ما يتصدق عليه ينفقها في المعصية أو هو غني لا بأس بالتصدق عليه وهو مأجور في نيته أنه يسد خلته، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل قد كثر السؤال فلمن نعطي قال عليه السلام من رق قلبك عليه، وعن محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى مثل ذلك، رجل قال لآخر كل منفعة تصل إلي من مالك فعلي أن أتصدق به قال محمد بن مقاتل رحمه الله تعالى إن وهب له شيئا وجب عليه أن يتصدق به وإن أذن له أن يأكل من طعامه لا يحل له أن يتصدق به وإنما يحل له أن يأكل من طعامه، رجل تصدق على امرأة معسرة لها زوج موسر قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى إن كان الزوج يوسع عليها في النفقة فهي موسرة بغناء الزوج، رجل قال مالي في المساكين صدقة إن فعلت كذا وله على الناس ديون قال نصير رحمه الله تعالى قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يدخل فيه إلا الصامت وأموال التجارة، رجل تصدق عن الميت ودعا له قالوا يجوز ذلك ويصل إلى الميت لما جاء في الأخبار أن الحي إذا تصدق عن الميت بعث الله تعالى تلك الصدقة إليه على طبق من النور، إذا فعل الصغير شيئا من الحسنات لمن يكون ثواب ذلك اختلفوا فيه قال أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى حسناته تكون له دون أبويه لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وإنما يكون لوالده من ذلك أجر التعليم والإرشاد إذا فعل ذلك، وقال بعضهم حسناته تكون لأبويه لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال من جملة ما ينتفع به المرء بعد موته أن يترك ولدا علمه القرآن والعلم فيكون لوالده أجر ذلك من غير أن ينقص من أجر الولد شيء واختلفوا في التصدق على سائل المسجد قالوا لا ينبغي أن يتصدق على السائل في المسجد الجامع لأن ذلك إعانة على أذى الناس، وعن خلف بن أيوب رحمه الله تعالى قال لو كنت قاضيا لم أقبل شهادة من تصدق على سائل المسجد، وعن أبي بكر بن إسماعيل قال هذا فلس واحد يحتاج إلى سبعين فلسا لتكون تلك السبعون كفارة لذلك الفلس الواحد ولكن يتصدق قبل أن يدخل المسجد أو بعد ما يخرج منه، وعن أبي مطيع <285\3> البلخي رحمه الله تعالى لا يحل للرجل أن يعطي سؤال المسجد لما فيه من الوعيد المروي عن الحسن البصري رحمه الله تعالى فإن كان السائل لا يتخطى رقاب الناس ولا يمر بين يدي المصلين ويسأل لأمر لا بد منه ولا يسأل إلحافا لا بأس له بالسؤال والتصدق عليه، روي أن السؤال كانوا يسألون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حتى روي أن عليا رضي الله عنه تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله تعالى بقوله ويؤتون الزكاة وهم راكعون وإن كان السائل يتخطى رقاب الناس ويمر بين يدي المصلي ولا يبالي فالتصدق على مثله مكروه، وعن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال يعجبني أن السائل إذا سأل لوجه الله تعالى لا يعطى له شيء لأن الدنيا خسيس فإذا سأل لوجه الله تعالى فقد عظم ما حقره الله تعالى فلا يعطى له زجرا، الوالد إذا احتاج إلى مال ولده الصغير فإن كانا في المصر كان للوالد المحتاج أن يأكل مال ولده بغير القيمة وإن كانا في المفازة واحتاج الأب إلى مال ولده فإن كان الأب له مال في بلده ولم يكن معه مال كان له أن يأكل مال الولد بالقيمة وإن كان فقيرا يأكل بغير عوض، وللأب الفقير أن يبيع مال ولده لأجل نفقته، رجل وولده في الصحراء أو في المفازة ومعهما من الماء ما يكفي لأحدهما من كان أولى منهما بهذا الماء كان الابن أولى به لأن الأب لو كان أحق بهذا الماء كان على الابن أن يسقي أباه ومتى سقى أباه يموت هو من العطش فيصير قاتلا نفسه وإن شرب هو لم يكن هو معينا للأب في قتل نفسه هذا بمنزلة رجلين أحدهما قتل نفسه والآخر قتل غيره كان قاتل النفس أعظم وزرا وإثما، إذا أراد الأب أن يأمر ولده بشيء ويخاف أنه لو أمره لا يفعل قالوا ينبغي للوالد أن يقول للولد على سبيل المشورة خوب ايدان يسيرا كر فلان كاركني لأنه لو أمره بذلك ربما يصير عاقا فيلحقه عقوبة العقوق ولا بأس للأب أن يغضب على ولده إذا فعل ما يكره لأن الإنسان مجبول على ذلك طبعا، قال عليه الصلاة والسلام إنما أنا بشر مثلكم أرضى بما يرضى به البشر وأغضب بما يغضب به البشر والله أعلم.
كتاب الوقف
الوقف جائز عند علمائنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد رحمهم الله تعالى ، وذكر في الأصل كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجيز الوقف وبظاهر هذا اللفظ أخذ بعض الناس فقال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز الوقف وليس كما ظن بل هو جائز عند الكل إلا أن عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا صح الوقف يزول عن ملك الواقف لا إلى مالك، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى يزول بمجرد قول الواقف ولا يجوز بيعه ولو مات لا يورث عنه وعند محمد رحمه الله تعالى لا يزول ملك الواقف إلا بالتسليم إلى المتولي أو إلى الموقوف عليه، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى يجوز الوقف جواز الإعارة تصرف المنفعة إلى جهة الوقف ويبقى العين على ملك الواقف له أن يرجع عنه ويجوز بيعه وإن مات يورث عنه، ولا يلزم إلا <286\3> بطريقين، أحدهما قضاء القاضي بلزومه لأنه مجتهد فيه يسلم الواقف ما وقفه إلى المتولي ثم يرد أن يرجع عنه فينازعه بعلة عدم اللزوم ويختصمان إلى القاضي فيقضي بلزومه وإن حكما رجلا فحكم بلزوم الوقف بينهما اختلفوا فيه والصحيح أن بحكم الحكم لا يرتفع الخلاف وللقاضي أن يبطله، والوجه الثاني للزوم الوقف عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن يخرجه مخرج الوصية فيقول أوصيت بغلة داري هذه أو بغلة أرضي هذه أو يقول جعلت هذه الدار وقفا فتصدقوا بغلتها على المساكين، وكذا لو أوصى بأن يوقف يجوز من الثلث في قولهم، وعندهما الوقف لازم بغير هذه التكلفات، والناس لم يأخذوا بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذا للآثار المشهورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رحمهم الله تعالى وتعامل الناس باتخاذ الرباطات والخانات أولها وقف الخليل صلوات الله وسلامه عليه.
Page 159