300

فصل في العوض الموهوب له إذا عوض الواهب بعد الهبة وقال هذا عوض هبتك أو ثواب هبتك أو بدل هبتك أو مكان هبتك أو قال كافأتك أو أثبتك أو تصدقت بها عليك بدلا عن هبتك يكون عوضا لا يبقي للواهب حق الرجوع ولا للمعوض أن يرجع على الواهب في العوض وإن لم يقل شيئا من هذه الألفاظ كان لكل واحد منهما الرجوع فيما أعطى، ويشترط شرائط الهبة في العوض بعد الهبة من القبض والإفراز لأنه تبرع، ويجوز تعويض الأجنبي كان بأمر الموهوب له أو بغير أمره ولا يبقي للواهب حق الرجوع في الهبة بعد ذلك ولا للأجنبي أن يرجع في العوض، وليس للأجنبي المعوض أن يرجع على الموهوب له سواء عوض بأمره أو بغير أمره إلا أن يقول الموهوب له عوض فلانا عني على أني ضامن وهو كما لو قال لغيره أطعم عن كفارة يميني أو قال أد زكاة مالي أو قال هب لفلان عبدك هذا عني فإن المأمور لا يرجع على الآمر إلا أن يقول له الآمر على أني ضامن بخلاف ما لو قال لغيره اقض ديني لفلان فقضاه كان للمأمور أن يرجع على الآمر وإن لم يقل على أني ضامن، وموضع هذه المسائل هبة الأصل، ولو أن الموهوب له تصدق على الواهب أو نحله أو أعمره وقال هذا عوض هبتك وسلم جاز ويكون عوضا، إذا وجد الواهب في العوض عيبا لم يكن له أن يرجع في شيء من الهبة كان العيب فاحشا أو لم يكن، رجل وهب عبده لرجلين فعوضه أحدهما عن حصته كان للواهب أن يرجع في حصة الآخر <278\3> ويصح رجوعه في النصف الشائع، ولو عوضه أحدهما عن نفسه وعن صاحبه لا يكون للواهب أن يرجع في شيء من العبد لما قلنا أن التعويض يصح من الأجنبي، إذا وهب للصغير هبة فعوض الأب أو الوصي للواهب من مال الصغير لا يجوز لأنه تبرع فإذا بطل التعويض كان للواهب أن يرجع في هبته وهو كما لو استحق العوض كان للواهب أن يرجع في الهبة إذا كانت قائمة ولم تزدد خيرا فإن استحق نصف العوض لا يرجع الواهب في شيء من الهبة ويصير كأنه عوضه الباقي والعوض وإن كان يسيرا يبطل حق الواهب في الرجوع، فإن قال الواهب أرد ما بقي من العوض وأرجع في الهبة لم يكن له ذلك، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى له أن يرد ما بقي من العوض ويرجع في الهبة إن شاء، وعلى قول زفر رحمه الله تعالى إذا استحق نصف العوض كان للواهب أن يرجع في نصف الهبة، وعندنا ليس له ذلك لأنها ليست بمعاوضة ولهذا يصح التعويض بشيء يسير أو كثير من جنس الهبة أو من غير جنسها فإن استحقت الهبة كان للمعوض أن يرجع في العوض وإن استحق نصف الهبة كان للمعوض أن يرجع في نصف العوض لأنه إنما عوضه لتسلم له الهبة، رجل وهب لرجل ألف درهم فعوضه الموهوب له درهما من تلك الدراهم لم يكن ذلك عوضا عندنا وكان للواهب أن يرجع في هبته، وقال زفر رحمه الله تعالى يكون عوضا، وكذا لو كانت الهبة دارا فعوضه بيتا منها، ولو وهب نصراني لمسلم هبة فعوضه المسلم خمرا أو خنزيرا لم يكن عوضا وللنصراني أن يرجع في هبته، وكذا الرجل إذا عوض الواهب شاة مسلوخة ثم ظهر أنها ميتة رجع الواهب في هبته، وكذا العبد المأذون إذا وهب لرجل هبة فعوضه الموهوب له كان لكل واحد منهما أن يرجع فيما دفع لأن هبة العبد باطلة مأذونا كان أو محجورا وإذا بطلت الهبة بطل التعويض، وكذا الصغير إذا وهب ماله لرجل فعوضه الموهوب له لا يصح لأنه عوض عن هبة باطلة، رجل وهب لرجل ثوبا لغيره وسلمه إليه فأجازه المالك جازت الهبة من المالك وله أن يرجع فيها ما لم يعوض أو يكون الموهوب له ذا رحم محرم من المالك فحقوق الهبة تكون لصاحب الهبة لا للذي باشرها، فلو أن الموهوب له عوض الذي باشر الهبة أو كان بينهما قرابة فذلك لا يمنع صاحب الهبة عن الرجوع في الهبة، رجل وهب لرجل ثوبا وخمسة درهم فسلم الكل إليه ثم عوضه الثوب أو الدراهم لم يكن عوضا عندنا استحسانا لأن الكل هبة واحدة فلا يكون البعض عوضا، ولو وهب لرجل هبتين مختلفتين يعني في عقدين في مجلس واحد أو مجلسين فعوضه إحداهما عن الأخرى كان عوضا، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يكون عوضا كما لو كان العقد واحدا لأن ماله لا يكون عوضا عن ماله، ولو كانت إحداهما صدقة والأخرى هبة فعوضه الصدقة عن الهبة كان عوضا، رجل وهب لرجل حنطة فطحن الموهوب <279\3> له بعضها وعوضه دقيقا من تلك الحنطة كان عوضا، وكذا لو وهب ثيابا وصبغ ثوبا منها بعصفر أو خاطه قميصا ثم عوضه كان عوضا، وكذا لو وهب سويقا ولت بعضه ثم عوضه كان عوضا لأنه صار شيئا آخر ولهذا لا يكون للواهب أن يرجع في الهبة بعدما فعل ذلك فإن كانت الهبة بشرط العوض يشترط لها شرائط الهبة في الابتداء حتى لا يصح في المشاع الذي يحتمل القسمة ولا يثبت بها الملك قبل القبض ولكل واحد منهما أن يمتنع من التسليم وبعد التقابض يثبت لها حكم البيع فلا يكون لأحدهما أن يرجع فيما كان له ويثبت بها الشفعة، ولكل واحد منهما أن يرد بالعيب ما قبض وإن استحق ما في يد أحدهما يرجع على صاحبه بما في يده إن كان قائما وبقيمته إن كان هالكا، والصدقة بشرط العوض بمنزلة الهبة بشرط العوض وهذا استحسان والقياس أن تكون الهبة بشرط العوض بيعا ابتداء وانتهاء ألا ترى أن المكره على البيع إذا وهب بشطر العوض كان مكرها فيه والمكره على الهبة بشرط العوض إذا باع يكون مكرها والإكراه بأحدهما يكون إكراها بالآخر، رجل وهب لرجل عبدا بشرط أن يعوضه ثوبا إن تقابضا جاز وإن لم يتقابضا لم يجز والله أعلم.

فصل في هبة الوالد لولده والهبة للصغير

رجل له ابن وابنة أراد أن يهب لهما شيئا ويفضل أحدهما على الآخر في الهبة أجمعوا على أنه لا بأس بتفضيل بعض الأولاد على البعض في المحبة لأن المحبة عمل القلب وذلك غير مقدور قال عليه الصلاة والسلام حين سوى بين النساء في القسم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك، ولو وهب رجل شيئا لأولاده في الصحة وأراد تفضيل البعض في ذلك على البعض لا رواية لهذا في الأصل عن أصحابنا رحمهم الله تعالى روي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا بأس به إذا كان التفضيل لزيادة فضل له في الدين فإن كانا سواء يكره وروى المعلى رحمه الله تعالى عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا بأس به إذا لم يقصد به الإضرار وإن قصد به الإضرار سوى بينهم يعطي للابنة مثل ما يعطي للابن، وقال محمد رحمه الله تعالى يعطي للذكر ضعف ما يعطي للأنثى والفتوى على قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، رجل وهب في صحته كل المال للولد جاز في القضاء ويكون آثما فيما صنع، رجل قال جعلت هذا لولدي فلان كانت هبة ولو قال هذا الشيء لولدي الصغير فلان جاز ويتم من غير قبول كما لو باع ماله من ولده الصغير جاز ولا يحتاج إلى القبول، رجل وهب لابنه الصغير دارا هي مشغولة بمتاع الأب قال أبو نصر رحمه الله تعالى جاز ولا يحتاج إلى التفريغ لأنها مشغولة بمتاع القابض وهو الأب، ولو تصدق على ابنه الصغير بدار والأب ساكن فيها لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ويجوز في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وعليه الفتوى لما قلنا في الهبة، ولو وهب عبده الآبق لولده الصغير لا يجوز وإن باع جاز، رجل اتخذ ثيابا لولده الصغير ثم أراد أن يدفع <280\3> إلى ولد له آخر لم يكن له ذلك لأنه لما اتخذ ثوبا لولده الأول صار ملكا للأول بحكم العرف فلا يملك الدفع إلى غيره إلا إذا بين عند اتخاذه للأول أنه عارية فحينئذ يملكه لأن الدفع إلى الأول يحتمل الإعارة فإذا بين ذلك صح بيانه، وكذا الرجل إذا أخذ ثيابا لتلميذه فأبق التلميذ بعدما دفع إليه فأراد أن يدفع إلى غيره فهو على هذا إن بين وقت الاتخاذ أنه إعارة يمكنه الدفع إلى غيره، رجل جهز ابنته بماله فوجه الابنة مع الجهاز إلى زوجها فماتت الابنة فادعى الأب أنه كان عارية وزوجها يدعي الملك اختلفوا فيه، قال بعضهم القول قول الزوج والبينة على الأب وبه قال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى، وقال بعضهم القول قول الأب لأنه هو الدافع والمملك، قال مولانا رحمه الله تعالى وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن كان الأب من الكرام والأشراف لا يقبل قول الأب لأن مثله يأنف عن الإعارة وإن كان من أوساط الناس يكون القول قول الأب لأنه هو الدافع وليس بمكذب فيما قال من حيث الظاهر، امرأة لها مهر على زوجها ووهبت المهر لابنها الصغير الذي من هذا الزوج الصحيح أنه لا تصح هذه الهبة لأن هبة الدين من غير من عليه الدين لا تجوز إلا إذا وهبت وسلطت ولدها على القبض فيجوز ويصير ملكا للولد إذا قبض ولا يجوز للأب أن يهب شيئا من مال ولده الصغير بعوض وغير عوض لأنها تبرع ابتداء، ولو وهب أجنبي للصغير هبة فقبض الهبة يكون للأب كان الصغير في عياله أو لم يكن والله أعلم.

Page 154