299

فصل في الرجوع في الهبة للواهب أن يرجع في هبته من غير المحارم ما لم يعوض أو ازدادت الهبة في بدنها وزيادة السعر لا تمنع الرجوع، ولو ولدت الهبة ولدا كان للواهب أن يرجع في الأم في الحال، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يرجع فيها حتى يستغني الولد عنها ثم يرجع في الأم دون الولد، ولو ازدادت الهبة في بدنها ثم ذهبت الزيادة كان للواهب أن يرجع في هبته، ولو خرجت الهبة عن ملك الموهوب له إلى غيره أو هلكت لا يرجع الواهب، وكذا لو هلك الواهب أو الموهوب له، ولو ادعى الموهوب له الهلاك كان القول قوله من غير يمين، ولا يرجع في الهبة من المحارم بالقرابة كالآباء والأمهات وإن علوا والأولاد وإن سفلوا أولاد البنين وأولا البنات في ذلك سواء، وكذا الأخوة والأخوات والأعمام والعمات، والمحرمية بالسبب لا بالقرابة لا تمنع الرجوع كالآباء والأمهات والأخوة والأخوات من الرضاع وكذا المحرمية بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب وأزواج البنين والبنات، إذا وهب العبد المديون من صاحب دينه بطل دينه، وكذا لو كان على العبد جناية خطأ فوهبه لولي الجناية بطلت الجناية ويكون للواهب أن يرجع في هبته استحسانا، وإذا رجع مولى العبد في هبة العبد لا يعود الدين والجناية في قول محمد رحمه الله تعالى وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وفي القياس لا يصح رجوعه في الهبة وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة والمعلى عن أي يوسف وهشام عن محمد رحمهم الله تعالى، وفي الاستحسان يصح رجوعه <273\3>، ولو وهب الأمة من زوجها بطل النكاح فإن رجع في الهبة بعد ذلك صح رجوعه ولا يعود النكاح كما لا يعود الدين والجناية وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تعالى إذا رجع المولى في الهبة يعود الدين والجناية وأبو يوسف رحمه الله تعالى استفحش قول محمد رحمه الله تعالى وقال أرأيت لو كان على العبد دين لصغير فوهب المولى عبده من الصغير فقبل الوصي وقبض يسقط الدين فإن رجع الواهب في الهبة بعد ذلك لو قلنا بأنه لا يعود الدين كان قبول الوصي الهبة تصرفا ضارا على الصغير وإنه لا يملك ذلك، وأما مسألة النكاح ففيها روايتان عن أبي يوسف رحمه الله تعالى في رواية إذا رجع الواهب يعود النكاح، رجل وهب شيئا من ذي الرحم المحرم وأحدهما مسلم والآخر كافر لا يرجع الواهب في الهبة لأن المانع من الرجوع القرابة، الموهوب له إذا علم الموهوب القرآن أو الكتابة أو كانت أعجمية فعلمها الكلام أو شيئا من الحرف لا يرجع الواهب في الهبة لحدوث الزيادة في العين وعلى قول زفر رحمه الله تعالى تعليم الحرف وما أشبه ذلك لا يمنع الرجوع في الهبة، وعن محمد رحمه الله تعالى في المنتقى أنه لا يبطل حق الواهب في الرجوع كما هو قول زفر رحمه الله تعالى وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فيه روايتان، ولو وهب عبدا كافرا فأسلم عند الموهوب له لا يكون للواهب أن يرجع في الهبة لأن الإسلام زيادة، ولو وهب شيئا له حمل ومؤنة ببغداد فحمله الموهوب له إلى بلدة أخرى لا يكون للواهب أن يرجع في الهبة، قيل هذا إذا كانت قيمة الهبة في المكان الذي انتقل إليه أكثر وإن استوى قيمتها في المكانين كان للواهب أن يرجع في هبته، ولو وهب جارية في دار الحرب فأخرجها الموهوب له إلى دار الإسلام ليس للواهب أن يرجع في هبته، رجل وهب ثوبا فقصره الموهوب له لا يرجع الواهب في الهبة بخلاف ما لو غسله لأن القصارة زيادة بخلاف الغسل، وفي الإملاء إذا غسله أو قصره له أن يرجع في الهبة وإن فتله لا يرجع إذا كان يزيد ذلك في الثمن، رجل وهب لآخر دراهم وسلمها إلى الموهوب له ثم إن الواهب استقرضها من الموهوب له وأقرضه جاز ولا يكون للواهب أن يرجع في الهبة أبدا لأنها صارت مستهلكة ودينا على الواهب، رجل وهب ترابا قبله الموهوب له بالماء بطل حق الواهب في الرجوع لأن اسم التراب قد زال وصار شيئا آخر، بخلاف ما إذا وهب سويقا فبله الموهوب له بالماء فإنه لا يبطل حق الواهب في الرجوع لأن اسم السويق لا يبطل ولم يحدث فيه زيادة بل حدث فيه نقصان فلا يبطل حق الواهب في الرجوع كما لو وهب حنطة فبلها الموهوب له بالماء، رجل وهب عبدا فقطعت يده عند الموهوب له فأخذ الموهوب له أرش اليد كان للواهب أن يرجع في الهبة فيأخذ العبد ولا يأخذ الأرش في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، رجل وهب لرجل ثوبا فسلمه إليه ثم اختلسه منه فاستهلكه <274\3> ضمن الواهب قيمة الثوب للموهوب له لأن الرجوع في الهبة لا يكون إلا بقضاء أو رضا، وذكر في المنتقى عند محمد رحمه الله تعالى رجل وهب جارية وسلمها إلى الموهوب له ثم رجع فيها بغير قضاء ولا رضا وأعتقها لم يجز عتقه قال وليس له أن يرجع فيها إلا بقضا أو رضا، ولو تصدق على رجل بشيء ثم استقال من المتصدق عليه فأقاله لم يجز حتى يقبض لأنها هبة مستقلة، وكذا إذا وهب لذي رحم وكل شيء لا يفسخه القاضي إذا رفع إليه لو اختصما إليه كان الرجوع فيها بمنزلة الهبة المستقلة وكل شيء يفسخه القاضي لو اختصما إليه فأقاله الموهوب له فهلك يهلك من مال الواهب وإن لم يقبضه، مريض وهب له عبد ثم رجع الواهب في الهبة بغير قضاء فرده المريض عليه برضاه جاز ذلك من الثلث فإن كان الرد بقضاء يجوز ولا شيء لورثة المريض على الواهب، وكذلك رجل اشترى عبدا وقبضه ثم وهبه لإنسان وسلم ثم رجع في الهبة بغير قضاء ثم وجد بالعبد عيبا كان له أن يرده على بائعه جعل الرجوع في هذا بغير قضاء بمنزلة الرجوع بقضاء القاضي، رجل وهب عبدا فمرض العبد عند الموهوب له فداواه حتى صح كان للواهب أن يرجع فيه، رجل وهب دارا فبنى الموهوب له في بيت الضيافة التي سميت بالفارسة كاشانه تنورا للخبز كان للواهب أن يرجع في هبته لأن مثل هذا يعد نقصانا ولا يعد زيادة، وكذا لو جعل فيه أريا، ولو وهب عبدا صغيرا فشب فصار رجلا طويلا لا يرجع الواهب فيه لأن الزيادة في البدن تمنع الرجوع وإن كانت تنقص القيمة، وكذا لو كان نحيفا فسمن أو كان قبيحا فحسن لا يرجع الواهب، رجل وهب لرجل جارية فأراد الواهب أن يرجع فيها فقال الموهوب له وهبتنيها صغيرة فكبرت وازدادت خيرا وقال الواهب لا بل وهبتها لك كذلك كان القول للواهب وكذا في كل زيادة متولدة، وأما في البناء والخياطة ونحوهما كان القول قول الموهوب له، رجل في يده دار قال لرجل آخر تصدقت بها علي وأذنت لي في قبضها فقبضتها وقال المتصدق لا بل قبضتها بغير إذني كان القول للمتصدق، ولو قال الذي في يده الدار كانت في يدي فتصدقت علي فأجزت وقال المتصدق لا بل كانت حينئذ في يدي وقبضتها بغير إذني كان القول للمتصدق عليه، ولو ادعى رجل عبدا في يد غيره وزعم أنه كان وهبه للذي في يده وكان العبد غائبا عنهما فقبضه الموهوب له بغير إذنه وقال الموهوب له وهبته لي وقبضته بإذنك كان القول قول الموهوب له وإن قال الموهوب له حين وهبته لي كان في منزلك لا بحضرتنا فأمرتني بقبضه فقبضته لا يصدق، ولو قال المدعي وهب لك والدي ولم تقبضه إلا بعد موته وقال الموهوب له قبضته في حياته فإن كان العبد في يد الذي يدعي القبض في حياته كان القول للوارث، رجل وهب لرجل مصحفا فنقطه الموهوب له بإعراب لا يرجع الواهب في هبته، وإذا وهب أحد الزوجين لصاحبه لا يرجع في الهبة وإن انقطع <275\3> النكاح بينهما، ولو وهب لأجنبية ثم تزوجها أو وهبت لأجنبي ثم تزوجت نفسها منه كان للواهب أن يرجع في الهبة لأن النكاح بعد الهبة لا يمنع الرجوع، ولو وهبت المرأة شيئا لزوجها وادعت أنه استكرهها في الهبة يسمع دعواها، وإذا مات الواهب أو الموهوب له يبطل حق الرجوع، ولو وهب أحد لقريبه شيئا لا يرجع في الهبة وإن كان أحدهما مسلما والآخر كافرا، ولو وهب لأخيه ولأجنبي عبدا فقبضاه كان له أن يرجع في نصيب الأجنبي، ولو وهب لأخيه وهو عبد لأجنبي كان له أن يرجع في الهبة لأن الهبة وقعت لمولى الأخ، وإن وهب لعبد أخيه كان له أن يرجع في الهبة في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقال صاحباه رحمهما الله تعالى لا يرجع، ولو وهب لعبد هو ذو رحم محرم منه ومولاه أيضا ذو رحم محرم منه بأن كان أخوه لأبيه عبدا لأخيه لأمه ذكر الكرخي عن محمد رحمه الله تعالى أن في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى له أن يرجع في الهبة، وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى لا يرجع هو الصحيح لأن المقصود من هذه الهبة صلة الرحم في جانب العبد والمولى جميعا، وكذا لو كان العبد عما للواهب ومولاه خاله فوهب شيئا للعبد قال محمد رحمه الله تعالى في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى للواهب أن يرجع في هبته وقال محمد رحمه الله تعالى وهذا قبيح، إذا وهب لذي الرحم المحرم وهو مكاتب لا يرجع ما دام مكاتبا في قولهم فإن عجز ورد في الرق كان للواهب أن يرجع في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى لا يرجع، ولو أدى الكتابة فعتق لا يرجع الواهب في قولهم، والصدقة إذا تمت بالقبض لا يرجع المتصدق فيها سواء كانت للقريب أو للأجنبي وللواهب أن يرجع في هبته قبل أن يقبضه الموهوب له سواء كان الموهوب له حاضرا أو غائبا أذن له في قبضه أو لم يأذن ينفرد الواهب في الرجوع قبل القبض، وبعد القبض لا يرجع إلا بقضاء أو رضا، وللموهوب له أن يتصرف في الهبة ما لم يقض القاضي بالرجوع وينقض الهبة وبعدما قضى لا يجوز تصرفه، ولا رجوع في الصدقة ولا في الهبة على المحتاج، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يرجع في الصدقة على غني أو فقير استحسانا، رجل وهب دارا وبنى فيها أو جصصها أو طينها أو جعل فيها مغتسلا أو أرضا فبنى في طائفة منها بناء أو غرس شجرا فلا رجوع في شيء من ذلك عندنا، وقال ابن أبي ليلى رحمه الله تعالى له أن يرجع في جميع ذلك وهذا إذا كان البناء يعد زيادة وإن كان لا يعد زيادة كالآري في البيت والتنور في الكاشانه لا يمنع الرجوع، ولو وهب دارا فهدم الموهوب له بناءها كان له أن يرجع في الأرض، وكذا في غير الدار إذا استهلك البعض بهدم أو بيع كان له أن يرجع في الباقي وإن كانت الهبة ثوبا فصبغه أحمرا أو أصفرا أو خاطه لا يرجع الواهب، ولو قطعه ولم يخطه كان له أن يرجع، ولم يذكر في الكتاب إذا صبغه <276\3> أسود قالوا عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى له أن رجع فيه وقال صاحباه رحمهما الله تعالى لا يرجع كما لو صبغه بشيء آخر، وأبو يوسف رحمه الله تعالى كان يقول أولا بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثم رجع وقال ربما ينفق على السواد أكثر مما ينفق على صبغ آخر وقيل هذا إذا كان السواد لا يعد زيادة فإن كان يعد زيادة تزداد قيمته بذلك لا يرجع عند الكل، رجل وهب لرجل هبة فقبضها الموهوب له ووهبها لآخر ثم رجع الواهب الثاني في هبته بقضاء أو رضا كان للواهب الأول أن يرجع في هبته لأن الرجوع في الهبة فسخ عند الكل فإذا عاد إلى الواهب الثاني ملكه عاد بما كان متعلقا به، وعلى قول زفر رحمه الله تعالى إذا كان الرجوع بغير قضاء لا يجوز للواهب أن يرجع لما عرف، الواهب إذا رجع في هبته في مرض الموهوب له بغير قضاء يعتبر ذلك من جميع مال الموهوب له أو من الثلث فيه روايتان ذكر ابن سماعة رحمه الله تعالى أن في القياس يعتبر من جميع ماله، رجل وهب شجرة وأذن له بقطعها فقطعها وأنفق في القطع كان للواهب أن يرجع فيه، ولو وهب شجرة بأصلها فقطها الموهوب له كان للواهب أن يرجع فيها وفي مكانها من الأرض وهو الصحيح لأن القطع نقصان والنقصان لا يمنع الرجوع فلو أنه جعل الشجرة أبوابا أو جذوعا لا يرجع الواهب فيه، روى أنه يرجع في الجذوع كما لو جعلها حطبا فإنه يرجع في الحطب، ولو وهب شاة أو بقرة فذبحها الموهوب له كان للواهب أن يرجع فيها وإن ذبحها عن هدي أو أضحية عند محمد رحمه الله تعالى وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، إذا وهب هبة كان له أن يرجع في بعضها إن شاء، وكذا لو وهب عبدا لرجلين كان له أن يرجع في حصة أحدهما إن شاء، وكذا لو وهب نصف العبد لأحدهما وتصدق بالنصف على الآخر كان له أن يرجع في الهبة دون الصدقة، وإذا وهب دارا فرجع في نصفها لا تبطل الهبة في الباقي، ولو اختلف الواهب والموهوب له عند رجوع الواهب فقال الواهب كانت هبة وقال الموهوب له كانت صدقة فلا رجوع لك كان القول قول الواهب، رجل وهب يحتمل القسمة ثم قسم ما وهب وسلم إلى الموهوب له جاز، رجلان وهبا عبدا لرجل وسلما ثم أراد أحدهما أن يرجع في حصته والآخر غائب كان له ذلك لأن كل واحد منهما منفرد بهبة نصيبه حكما فينفرد بالرد كما لو انفرد بهبة نصيبه نصا، رجل وهب عبده لرجلين أو رجلان وهبا عبدا لرجلين أو وهب أحدهما نصيبه لشريكه أو لأجنبي وسلم جاز، وإن قال أحدهما لرجل وهبت لك نصيبي من هذا العبد فاقبضه ولم يبين النصيب ولم يعلم الموهوب له نصيبه لا يجوز، رجل وهب نصف عبدين أو نصف ثوبين مختلفين هروي ومروي أو نصف عشرة أثواب مختلفة زطي ومروي ونحو ذلك جاز، وكذا الدواب المختلفة لأن العبيد <277\3> والثياب المختلفة والدواب المختلفة من أجناس مختلفة من جملة ما لا يحتمل القسمة فالشيوع فيها لا يمنع جواز الهبة أما الدواب والثياب من نوع واحد من جملة ما يحتمل القسمة فالشيوع فيها يمنع جواز الهبة، رجل وهب لرجل شيئا ثم قال الواهب أسقطت حقي في الرجوع لا يسقط حقه، رجل وهب لرجلين ألف درهم فقال لأحدكما الثلث والثلثان لآخر لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، ويجوز في قول محمد رحمه الله تعالى، وكذا لو قال لأحدكما منها ستمائة وللآخر أربعمائة، وصي اليتيم إذا وهب عبده للصغير وللصغير عليه دين صحت الهبة وسقط دينه فإن أراد الواهب أن يرجع في هبته كان له ذلك في ظاهر الرواية، وروى هشام عن محمد رحمه الله تعالى أنه ليس له ذلك، رجل وكل رجلا بهبة ماله فوهب الوكيل وسلم جاز ويكون التوكيل بالهبة توكيلا بالتسليم، إذا وهب الدين من المديون ليس له أن يرجع فيه لأن الدين سقط بالهبة فلا يحتمل العود، الواهب إذا اشترى الهبة من الموهوب له قالوا لا ينبغي له أن يشتري لأن الموهوب له يستحي عن المماكسة فيصير مشتريا بأقل من قيمته إلا الوالد إذا وهب لولده شيئا لأن شفقته على ولده تمنعه من الشراء بأقل من قيمته، ومما يمنع الواهب من الرجوع وصول العوض إليه.

Page 152