297

فصل في هبة المشاع رجل وهب نصيبه مما يقسم كالدار والأرض والمكيل والموزون من غير شريكه لا يجوز عند الكل وإن وهب من شريكه لا يجوز عندنا، وقال ابن أبي ليلى رحمه الله يجوز، ولو وهب داره من رجلين لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وكذلك كل ما يقسم، وقال صاحباه رحمهما الله تعالى جاز، ولو رهن داره من رجلين جاز عند الكل، وكذا لو آجر داره من رجلين، ولو وهب نصف داره من رجل ووهب النصف الآخر من رجل آخر وسلم الدار إليهما معا جاز، وإن تقدم تسليمه إلى أحدهما لا يجوز وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز في الوجهين وفيما لا يقسم كالعبد والدابة والثوب والحمام يجوز هبة المشاع من الشريك وغيره في قولهم، ولو وهب درهما صحيحا من رجلين اختلفوا فيه قال بعض المشايخ رحمهم الله تعالى لا يجوز لأن تنصيف الدرهم لا يضر فكان مما يحتمل القسمة والصحيح أنه يجوز وبه قال القاضي الإمام أبو الحسن علي السغدي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله تعالى لأن الدرهم الصحيح لا يكسر عادة فكان مما لا يحتمل القسمة حتى لو كان من الدراهم التي تكسر عادة ولا يضرها الكسر والتبعيض كانت بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة فلا يجوز والدينار الصحيح قالوا ينبغي أن يكون بمنزلة الدرهم الصحيح، رجل معه درهمان فقال لرجل وهبت منك درهما منهما قالوا إن كان الدرهمان مستويين في الوزن والجودة لا يجوز لأن الهبة تناولت أحدهما وهو مجهول، وإن كانا متفاوتين جاز لأن في الوجه الأول الهبة تناولت أحدهما وفي الوجه الثاني تناولت وزن درهم منهما وهو مشاع لا يحتمل القسمة وفيما إذا فسدت الهبة بحكم الشيوع إذا هلكت الهبة عند الموهوب له هل تكون مضمونة عليه ذكر ابن رستم رحمه الله تعالى رجل دفع درهمين إلى رجل وقال أحدهما هبة لك والآخر أمانة عندك فهلكا جميعا يضمن درهما وهو في الآخر أمين قال وإنما يضمن لأنه أخذه بهبة فاسدة نص أنها تكون مضمونة، وذكر في مضاربة الكبير رجل دفع إلى رجل ألف درهم وقال نصفها هبة لك ونصفها مضاربة عندك لا يجوز فإن هلك المال عند القابض يضمن خمسمائة <268\3> درهم، ولو وهب نصف الدار أو تصدق وسلم ثم إن الواهب باع ما وهب أو تصدق ذكر في وقف الأصل أنه يجوز بيعه لأنه لم يقبض، ولو باعها الموهوب له لا يجوز بيعه لأنه لم يملك نص أن هبة المشاع قيما يقسم لا تفيد الملك وإن اتصل به القبض وبه قال الطحاوي، وذكر عصام رحمه الله تعالى أنها تفيد الملك وبه أخذ بعض المشايخ رحمهم الله تعالى، رجل دفع تسعة دراهم إلى رجل وقال ثلاثة لك قضاء من حقك وثلاثة لك هبة وثلاثة تصدقت بها عليك قال محمد رحمه الله تعالى ثلاثة قضاء جائزة وثلاثة صدقة لم تجز ولم يضمن وثلاثة هبة لم تجز وضمن نص أن الهبة الفاسدة مضمونة، رجل أعطى رجلا درهمين وقال نصفهما لك وهما في الوزن والجودة سواء عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال لم يجز، وإن كان أحدهما أثقل وأجود أو أردأ جاز ويكون مشاعا لا يحتمل القسمة، وإن قال وهبت لك ثلثهما وهما في الوزن والجودة سواء ودفعهما إليه جاز، وإن قال أحدهما لك هبة لم تجز كانا سواء أو مختلفين، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى في النوادر إذا قال وهبت لك نصفا من هذه الدار ولهذا الآخر نصفها لم تجز، وإن قال وهبت لكما لهذا نصفها ولهذا الآخر نصفها جاز، رجل تصدق بعشرة دراهم على رجلين فقيرين قال في الجامع الصغير جاز وإن تصدق بها على غنيين لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال صاحباه رحمهما الله تعالى جاز كان فقيرين أو غنيين، وذكر في هبة الأصل إذا وهب لرجلين شيئا يحتمل القسمة لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وكذلك الصدقة فصار في الصدقة على رجلين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى روايتان ووجه الفرق بين الهبة والصدقة معروف فيحتمل أن تكون الصدقة على غنيين بمنزلة الهبة والهبة من الفقيرين بمنزلة الصدقة، ولو وهب دارا من رجل فوكل الموهوب له رجلين بقبض الدار فقبضاها جاز، عبد بين رجلين وهب له أحد الموليين شيئا يحتمل القسمة لا تصح أصلا لأنها لم تصح في نصيب الواهب لأنه يكون واهبا لنفسه فبقي في نصيب صاحبه شيء يحتمل القسمة فإن كان الموهوب شيئا لا يحتمل القسمة جازت الهبة في نصيب صاحبه لأنه وقع في نصيب صاحبه شيء لا يحتمل القسمة، رجل وهب دارا لرجل وسلم وفيها متاع الواهب لا يجوز لأن الموهوب له مشغول بما ليس بهبة فلا يصح التسليم، امرأة وهبت دارها من زوجها وهي ساكنة فيها ومتاعها فيها وزوجها ساكن معها في الدار جازت الهبة ويصير الزوج قابضا للدار لأن المرأة ومتاعها في يد الزوج فصح التسليم، رجل وهب دارا فيها متاع الواهب أو جوالق أو جرابا فيها طعام الواهب وسلم لا يجوز لأن الموهوب مشغول بما ليس بهبة، ولو وهب المتاع والطعام دون الجوالق والدار وسلم جاز لأن الموهوب غير مشغول بغيره بل هو شاغل غيره، ولو وهب أرضا فيها <269\3> زرع أو نخل أو نخلا عليها تمر أو وهب الزرع بدون الأرض أو النخل بدون الأرض أو نخلا بدون التمر لا تجوز الهبة في هذه المسائل لأن الموهوب متصل بغير الهبة اتصال خلقة مع إمكان القطع والفصل فقبض أحدهما بدون الآخر غير ممكن في حالة الاتصال فيكون بمنزلة المشاع الذي يحتمل القسمة، ولو وهب دارا فيها متاع الواهب وسلم الدار بما فيها ثم وهب المتاع جازت الهبة في المتاع لأن الدار مشغولة بالمتاع فصحت هبة المتاع، ولو وهب المتاع أولا وسلم الدار مع المتاع ثم وهب الدار صحت الهبة فيهما جميعا، ولو وهب الدار دون المتاع أو الأرض دون الزرع والنخل أو النخل دون التمر أو التمر دون النخل ولم يسلم حتى وهب المتاع والزرع والنخل والتمر وسلم الكل صحت الهبة في الكل لأنه لم يوجد عند القبض والتسلم ما يمنع القبض فصار كما لو وهب الكل هبة واحدة وسلم، أما إذا فرق التسليم والقبض ففرق العقد فيفسد كل عقد بحكم فساد القبض كما لو وهب نصف الدار وسلم ثم وهب النصف الآخر وسلم فإنه يفسد العقدان جميعا ولو وهب زرعا بدون الأرض أو تمرا بدون النخل وأمره بالحصاد والجذاذ ففعل الموهوب له ذلك جاز لأن الموهوب له إذا قبض الهبة بإذن الواهب صح قبضه في المجلس وبعده وإن قبض بدون إذنه إن قبض في المجلس قبل الافتراق جاز استحسانا لأن القبض في الهبة بمنزلة القبول فصح في المجلس ما لم ينهه، وإن قام الواهب وخرج قبل قبض الموهوب فقبضه الموهوب له إن كان بأمر الواهب صح وإلا فلا، وإن كان الموهوب غائبا عن حضرة الموهوب له فإن قبضه بأمر الواهب صح وإلا فلا والصدقة في هذا بمنزلة الهبة وكذلك القرض والبيع الفاسد والرهن إن قبض بعد الافتراق عن المجلس إن قبض بحكم الإذن صح قبضه وإلا فلا، والتخلية في الهبة الفاسد لا تكون قبضا عند الكل كما في البيع الفاسد، وفي الهبة الجائزة التخلية قبض عند محمد رحمه الله تعالى، والموهوب إذا كان غائبا عن حضرة الواهب والموهوب له فالقبض فيها أن يأمره بالقبض، وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا يكون قبضا فيما ينقل حتى يزيله عن مكانه، والتخلية أن يخلي بين الهبة والموهوب له ويقول اقبضه، رجل وهب دارا فيها متاع ووهب متاعها وخلى بين الكل والموهوب له ثم استحق المتاع بقيت الهبة جائزة في الدار لأن الكل كان في يده فصح التسليم وهو كما لو استعار دارا أو غصب متاع رجل ووضعه في الدار ثم إن المعير وهب الدار منه صحت الهبة لأن المتاع والدار كانت في يده، وكذا لو أودعه المتاع والدار ثم وهب الدار صحت الهبة فإن هلك المتاع ولم يحوله ثم جاء مستحق واستحق المتاع كان له أن يضمن الموهوب له جعل الموهوب له غاصبا ضامنا للمتاع بمجرد التخلية لانتقال يد الواهب إلى الموهوب له، وكذا لو وهب جوالق بما فيه من المتاع وخلى بين الكل ثم استحق الجوالق صحت الهبة فيما كان فيه، ولو باع متاعا في دار <270\3> وخلى بينه وبين المتاع ثم وهب الدار صحت الهبة، ولو وهب الدار وفيها متاع الواهب فسلم الدار بما فيها ثم وهب المتاع جازت الهبة في المتاع دون الدار لأنه حين سلم الدار أولا بحكم الهبة لم يصح تسليمه فإذا وهب المتاع بعد ذلك كانت الدار مشغولة بمتاع الواهب فصحت هبة المتاع، ولو وهب المتاع أولا وسلم الدار مع المتاع ثم وهب الدار صحت الهبة فيهما جميعا، رجل وهب دارا لرجلين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ويجوز في قول محمد رحمه الله تعالى ولو تصدق بدار على فلانة معينة وعلى ما في بطنها والعلم محيط بأنه لا ولد في بطنها حين تصدق بالدار لا يجوز، ولو تصدق عليها وعلى هذا الحائط جازت الصدقة، ولو وهب دارا لابنين له أحدهما صغير في عياله كانت الهبة فاسدة عند الكل، بخلاف ما لو وهب من كبيرين وسلم إليهما جملة فإن الهبة جائزة لأن في الكبيرين لم يوجد الشيوع لا وقت العقد ولا وقت القبض، وأما إذا كان أحدهما صغيرا فكما وهب يصير الأب قابضا حصة الصغير فتمكن الشيوع وقت القبض، رجل وهب من رجل دارا وسلمه فاستحق نصفها بطلت الهبة في الباقي، ولووهب دارا في مرضه وليس له مال سوى الدار ثم مات ولم يجز الوارث هبته بقيت الهبة في ثلثها وتبطل في الثلثين، ولو وهب دارا بما فيها من المتاع وسلم ثم استحق المتاع ذكر في الزيادات أن الهبة لا تبطل في الدار، وذكر ابن رستم رحمه الله تعالى أن هذا قول محمد رحمه الله تعالى أما في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى لو استحق وسادة منها تبطل الهبة في الدار لأن موضع الوسادة من الدار لم يقبض، ولو وهب أرضا فيها زرع بزرعها ثم استحق الزرع بطلت الهبة في الأرض عند الكل والزرع لا يشبه المتاع ولو وهب سفينة فيها طعام بطعامها ثم استحق الطعام بطلت الهبة في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى قال ابن رستم وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى لا تبطل الهبة في السفينة لأبي يوسف رحمه الله تعالى أن موضع الطعام من السفينة لم يقبض فلم تصح هبة السفينة، ولو وهب لابنه الصغير أرضا فيها زرع للأب أو وهب لابنه دارا والأب ساكن فيها لم تجز الهبة، وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المجرد رجل تصدق على ابنه الصغير بدار والأب فيها ساكن أو له فيها متاع أو فيها قوم يسكنون بغير أجر جازت الصدقة ويصير الأب قابضا لابنه، ولو كان فيها ساكن بأجر كانت الصدقة باطلة، رجل وهب لرجل جارية واستثنى ما في بطنها فقال على أن يكون الولد لي ذكر في الأصل أن الهبة جائزة وتكون الجارية مع ولدها للموهوب له لأنه لو لم يستثن الولد كانت الجارية وولدها للموهوب له فيكون الولد داخلا في الهبة فكان استثناء الولد شرطا مبطلا والهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة، والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد على حيوان بدون الولد في هذا يكون بمنزلة الهبة، والبيع الإجارة والرهن يبطل باستثناء الولد، ولو أعتق ما في بطن <271\3> جاريته ثم وهب الجارية جازت الهبة في الأم، وذكر في عتاق الأصل لو دبر ما في بطنها ثم وهب الأم لم يجز قيل فيها روايتان في رواية لا تجوز الهبة في الإعتاق والتدبير جميعا، وقيل جازت الهبة فيهما والصحيح هو الفرق بين الإعتاق والتدبير في الإعتاق تجوز الهبة وفي التدبير لا تجوز لأن التدبير لا يزيل الجارية عن ملكه فيكون الموهوب متصلا بغير الهبة من ملك الواهب والإعتاق يزيل الملك فلا يصير الموهوب بعد إعتاق الولد متصلا بغير الهبة فيجوز كما لو وهب لرجل دارا فيها ابن الواهب فصار استثناء الولد على ثلاثة أقسام، في قسم استثناء الولد يفسد التصرف وهو البيع والإجارة والرهن لأن استثناء الولد بمنزلة شرط فاسد وهذه التصرفات لا تتحمل الشرط الفاسد، وفي قسم يجوز التصرف ويبطل الاستثناء وهو النكاح والخلع والصلح عن دم العمد لأن الشرط الفاسد لا يفد هذه العقود، وفي قسم يجوز التصرف والاستثناء جميعا وهو الوصية لأن في حكم الوصية ما في البطن لشخص على حدة يجوز إقراره بالوصية فجاز استثناؤه والله أعلم.

Page 148