295

فصل في براءة الغاصب والمديون رجل باع أثوابا ومات قبل استيفاء الديون ولم يدع وارثا ظاهرا فأخذ السلطان ديونه من الغرماء ثم ظهر له وراث كان على الغرماء أداء الديون إلى الوارث ثانيا لأنه لما ظهر الوارث ظهر أنه لم يكن للسلطان حق الأخذ، رجل مات وعليه دين وله دين على رجل آخر فأخذ صاحب دين الميت من المديون مثل حقه اختلف المشايخ فيه قال الشيخ الإمام أبو نصر رحمه الله تعالى صاحب دين <258\3> الميت يكون غاصبا ويصير ما أخذ قصاصا بدينه لأنه أخذ مال الميت بغير إذنه وقال بعضهم لا يكون غاصبا وهو الصحيح لأنه أخذ بإذن الشرع إلا أن المأخوذ يصير مضمونا عليه فيكون قصاصا بدينه كما لو ظفر بمال المديون في حياته من جنس دينه، ولو كان على رجل دين لرجل فأخذ غير صاحب الدين من المديون ودفع إلى صاحب الدين اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى المديون بالخيار إن شاء ضمن الآخذ وإن شاء ضمن صاحب الدين لأن الأول غاصب والثاني غاصب الغاصب فإن اختار تضمين الآخذ لم يصر قصاصا بدينه وإن اختار تضمين صاحب الدين يصير قصاصا وقال نصير بن يحيى رحمه الله تعالى لا خيار له ويصير قصاصا لأن الآخذ بمنزلة المعين له على أخذ حقه والفتوى على هذا القول، رجل غصب مالا فغصب من الغاصب المغصوب رجل له على المغصوب منه دين من جنس الغصب كان المغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني لأن كل واحد منهما غاصب فإن ضمن الأول لا يبرأ المغصوب منه عما عليه من الدين وإن ضمن الثاني برئ الأول، رجل عليه دين فجاء المديون إلى صاحب دينه ليقضي دينه فدفع المال إلى الطالب لينتقده فهلك المال في يد الطالب يهلك من مال المطلوب والدين على حاله لأن الطالب وكيل المديون في الانتقاد فكان يده كيد المديون، ولو أن المطلوب دفع المال إلى الطالب ولم يقل شيئا فأخذ منه الطالب ثم دفع إلى المديون لينتقده فهلك في يده يهلك من مال الطالب لأن الطالب أخذ حقه فإذا دفع إلى المديون لينتقده صار المطلوب وكيل الطالب في الانتقاد وكان الهلاك في يد المطلوب بعد ذلك كالهلاك في يد الطالب، رجل له على رجل مال لا يقدر على استيفائه قالوا الإبراء أفضل من أن يدع عليه لأن في الإبراء تخليص المديون عن نار الآخرة، رجل مات وعليه قرض ذكر الناطفي رحمه الله تعالى يرجى أن لا يكون مؤاخذا في دار الآخرة إذا كان من نيته قضاء الدين، رجل مات وعليه دين نسيه ووارثه يعلم ذلك فإن الوارث يقضي دينه من مال الميت، ولو أن هذا الوارث نسي أيضا حتى مات لا يؤاخذ الوارث بذلك في الدار الآخرة لأن الوارث لم يباشر سبب الدين في الابتداء فلم يكن ظالما والنسيان لم يكن منه، رجل مات وله على رجل حق ولم يخلف وارثا قالوا يتصدق المديون بما عليه عن الميت ليكون ذلك وديعة عند الله تعالى فيوصله إلى خصمه يوم القيامة، مسلم غصب من ذمي مالا أو سرق منه فإنه يعاقب به يوم القيامة لأنه أخذ مالا معصوما والذمي لا يرجى منه العفو ويرجى ذلك من المسلم فكانت خصومة الذمي أشد وعند الخصومة لا يعطى ثواب طاعة المسلم الكافر لأنه ليس من أهل الثواب ولا وجه أن يوضع على المسلم وبال كفر الكافر فيبقى في خصومته، وعن هذا قالوا إن خصومة الدابة تكون أشد من خصومة الآدمي على الآدمي، رجل سرق من أبيه مالا ثم مات الأب والسارق وارثه <259\3> قالوا لا يؤاخذ به السارق في دار الآخرة لأن الدين انتقل إلى الابن فسقط عنه إلا أنه يأثم إثم السرقة بالجناية على المسروق منه، قالوا هذه المسألة تدل على أن صاحب الدين إذا طلب الدين من مديونه فماطل المديون مع القدرة عليه ومات الطالب اختلفوا فيه قال أكثر المشايخ حق الخصومة في الدار الآخرة لا يكون للأول لأن الدين انتقل إلى الوارث والخصومة تكون بسبب الدين، وقال بعضهم حق الخصومة يكون للأول، واختلفوا أن الدين لمن يكون قال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى الدين يكون للميت إلا أن وارثه لو أخذ المال من المديون أو أبرأه برئ المديون، وقال بعضهم الدين يكون للوارث والخصومة له أيضا في الدار الآخرة وهو الصحيح، رجل مات وترك دينا على رجل أو غصبا في يد غيره ولم يصل ذلك إلى الوارث لمن يكون ثواب ذلك في الدار الآخرة قالوا في القياس يكون للوارث لأنه انتقل ذلك إلى الوارث، وفي الاستحسان إن نوى المال قبل الموت فالثواب يكون للميت وإن نوى بعد الموت فالثواب يكون للوارث لأن في الوجه الأول إذا هلك المال قبل الموت لم ينتقل إلى الوارث لأن الإرث لا يجري في الهالك وفي الوجه الثاني لم يكن هالكا عند الموت فصار للوارث، المديون إذا جحد الدين هل يستحلفه الطالب أم يتركه من غير يمين قال الشيخ الإمام نصير بن يحيى رحمه الله تعالى استحلفه الطالب أو لم يستحلفه كان الأجر للطالب دون وارثه إذا مات الطالب قبل القبض إن طلب فإن دفع المديون إلى وارث الطالب برئ عن الدين ويبقى عليه وزر المماطلة لا مخلص عن ذلك، رجل له على رجل دين فبلغه أن المديون قد مات فقال جعلته في حل أو قال وهبته منه ثم ظهر أنه حي ليس للطالب أن يأخذ منه لأنه وهبه منه بغير شرط، رجل غصب عبدا أو ثوبا أو دابة أو دراهم وهي قائمة فأبرأه منها برئ الغاصب عن ضمان الغصب ويصير المغصوب أمانة في يده، وكذا لو قال المغصوب منه حللته من الغصب برئ الغاصب عن الضمان، وإن كان المغصوب مستهلكا برئ الغاصب عن ضمان القيمة لأنه أبرأه عن الدين والدين يقبل الإبراء، فأما إذا كان المغصوب قائما كان التحليل إبراء له عن سبب الضمان فتصير العين أمانة في يده عندنا وعلى قول زفر رحمه الله تعالى لا يبرأ عن ضمان الغصب، رجل خاصم رجلا في دار ثم قال للمدعى عليه قد أبرأتك عن هذه الدار أو عن خصومتي في هذه الدار أو عن دعواي في هذه الدار ذكر الناطفي رحمه الله تعالى أن جميع ذلك باطل وله أن يخاصمه فيقيم البينة فيأخذه، ولو قال قد برئت من هذه الدار أو قال برئت من دعواي في هذه الدار صح ذلك ولا حق له فيها ولو أقام البينة لا تقبل، ولو قال أنا بريء من هذا العبد أو قال خرجت من هذا العبد ليس له أن يدعي بعد ذلك لأنه أخبر عن البراءة فيثبت البراءة، أما في الوجه الأول صرح بالإبراء عن العين أو عن الدعوى والخصومة وذلك باطل، رجل قال لآخر حللني من كل حق لك علي ففعل وأبرأه فإن كان صاحب الحق عالما بما عليه برئ <260\3> المديون حكما وديانة وإن لم يكن عالما يبرأ في الحكم ولا يبرأ ديانة في قول محمد رحمه الله تعالى وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يبرأ وعليه الفتوى لأن الإبراء إسقاط والجهالة لا تمنع صحة الإسقاط فإن المشتري إذا أبرأ البائع عن العيوب صح إبراؤه عند الكل وإن كان لا يعلم بالعيوب، وذكر في النوازل رجل له على رجل دين وهو لا يعلم بجميع ذلك فقال له المديون أبرئني مما لك علي فقال صاحب الدين أبرأتك قال نصير رحمه الله تعالى لا يبرأ إلا عن مقدار ما يتوهم أنه له عليه، وقال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى يبرأ عن الكل، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى حكم القضاء ما قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى وحكم الآخرة ما قال نصير رحمه الله تعالى لأن القضاء بناء على الظاهر وظاهر اللفظ عام وحكم الآخرة بناء على الرضا فلا يبرأ عما لا يتوهم أنه له عليه، رجل قال أبرأت جميع غرمائي ولم يسمهم بلسانه ولم يتوهم واحدا منهم بقلبه قال أبو القاسم رحمه الله تعالى روى ابن مقاتل عن علمائنا رحمهم الله تعالى أنهم لا يبرؤن لأن الإبراء إيجاب الحق للغرماء ولا يجوز إيجاب الحقوق إلا لقوم بأعيانهم، ولو قال كل غريم لي فهو في حل قال ابن مقاتل رحمه الله تعالى لا يبرأ غرماؤه في قول علمائنا رحمهم الله تعالى، وكذا لو قال ليس لي بالري شيء ثم جاء في الغد وادعى أن هذه الدار له منذ عشرين سنة وهو بالري كان له ذلك في قول علمائنا رحمهم الله تعالى، قال ابن مقاتل وأما عندي في المسألتين جميعا يبرأ غرماؤه ولا يسمع دعواه، ولو قال أبرأت جميع غرمائي لم يكن ذلك براءة إذا لم ينص على أقوام معينين، ولو قال قبيلة فلان فإن كانوا لا يحصون فهو مثل ذلك وإن كانوا يحصون فالبراءة جائزة وكذلك الإقرار، رجل له على الناس ديون وهم غيب عنه فقال من كان لي عليه شيء فهو في حل ذكر الناطفي رحمه الله تعالى فيه خلافا قال محمد رحمه الله تعالى له أن يأخذهم بما له عليهم، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى هو جائز وهم في حل إذا كان عليهم دين أما إذا كان ثوب قائم في يد رجل أو عبد قائم في يده فله أن يأخذه منه ولا يكون الذي في يده في حل منه، ولو كان له على آخر حق فأبرأه على أنه بالخيار صح الإبراء وبطل الخيار لأن الإبراء في كونه تمليكا دون الهبة، ولو وهب عينا على أنه بالخيار صحت الهبة وبطل الخيار فالإبراء أولى، رجل قال لآخر جعلتك في حل في الدنيا أو قال جعلتك في حل في ساعة قالوا يصير في حل في الدارين وفي الساعات، ولو قال لا أخاصمك أو قال لا أطلبك مالي قبلك فهذا ليس بشيء وحقه على حاله، رجل قال إذا تناول فلان من مالي فهو له حلال فتناول فلان من غير أن يعلم بإباحته قال نصير رحمه الله تعالى يجوز ذلك ولا ضمان عليه، وإن قال كل إنسان تناول من مالي فهو له حلا قال محمد بن سلمة رحمه الله تعالى لا يجوز ومن تناول ضمن وقال أبو نصر محمد بن سلام رحمه الله تعالى <261\3> هو جائز فأبو نصر رحمه الله تعالى جعل هذا إباحة والإباحة للمجهول جائزة ومحمد بن سلمة رحمه الله تعالى جعله إبراء عما تناول والإبراء للمجهول باطل والفتوى على قول أبي نصر رحمه الله تعالى، ولو قال لآخر جميع ما تأكل من مالي فقد جعلتك في حل فهو حلال له في قولهم ولو قال جميع ما تأكل من مالي فقد أبرأتك ذكر عن بعضهم أنه لا يصح هذا الإبراء، والصحيح أنه يبرأ أما على قول أبي نصر رحمه الله تعالى فلأن هذه إباحة وإباحة المجهول جائزة وأما على قول محمد بن سلمة رحمه الله تعالى فلأن هذا إبراء للمعلوم عن ضمان ما تناوله فيكون إبراء عن الدين الواجب لا عن العين، رجل قال لآخر أنت في حل مما أكلت من مالي أو أخذت أو أعطيت حل له الأكل ولا يحل له الأخذ والإعطاء لأن إباحة الطعام المجهول جائزة فإن من قدم مائدة بين قوم حل لهم الأكل منها وتمليك المجهول باطل، رجل قال أذنت الناس في تمر نخيلي فمن أخذ شيئا فهو له فبلغ الناس وأخذوا من ذلك شيئا فهو لهم لأن هذه إباحة، رجل قال أبحت لفلان أن يأكل من مالي وفلان لا يعلم بذلك قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى لا يباح له الأكل لأن الإباحة إطلاق والإطلاق لا يثبت قبل العلم كالتوكيل، وعند البعض الإباحة تثبت قبل العلم، رجل قال لآخر أدخل كرمي وخذ من العنب فله أن يأخذ مقدار ما يشبع به إنسان واحد لأن هذا إذن بقدر ما يحتاج إليه في الحال، رجل أراد أن يوكل غيره في أملاكه فقال الوكيل أنا إذا دخلت فيها لا آمن من أن أتناول شيئا من مالك فقال الموكل أنت في حل من تناولك من مالي من درهم إلى مائة درهم فدخل فيها له أن يتناول من ماله من المأكول والمشروب والدراهم ما لا بد منه أما أن يقصد فيأخذ من ماله جملة مائة أو خمسين درهما فليس له ذلك والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

Page 141