Fatāwā Qāḍīkhān
فتاوى قاضيخان
فصل في حد الشرب إذا شرب قطرة من الخمر أو سكر من الأشربة التي ذكرنا أنه يوجب الحد فإنه يحد ثمانين سوطا في إزار واحد والمرأة تحد في ثيابها ويضرب العبد في الشرب والسكر نصف ما يضرب الحر وإذا شهد شاهدان على رجل أنه شرب الخمر ورائحة الخمر توجد منه فإن القاضي يقبل شهادتهما ويسألهما عن ماهية الخمر وعن كيفية الشرب وعن زمان الشرب وعن مكانه، أما يسأل عن ماهية الخمر حتى يعلم أنها خمر حقيقة فإن كل مسكر يسمى خمرا مجازا، ويسأل عن كيفية الشرب حتى يعلم أنه شرب طائعا أو مكرها وعن زمان الشرب حتى يعلم أن العهد لم يتقادم فإنه لو مضى شهر من وقت الشرب لا يقبل شهادتهما على الشرب إلا إذا أتوا به من مكان بعيد فإن تقادم العهد وانقطاع الرائحة لا يمنع قبول الشهادة، ويسأل عن المكان لأنه لو شرب في دار الحرب لا يقام عليه الحد فيستقصي القاضي في السؤال عما ذكرنا احتيالا لدرء الحد فإذا بينوا ذلك حبسه القاضي حتى يسأل عن العدالة ولا يقضي بظاهر العدالة في حد ما ويحبسه إلى أن تظهر عدالة الشهود فإذا ظهرت عدالتهم يقيم عليه الحد هذا إذا أتى به وريح الخمر يوجد منه فإن لم يوجد وقد أتي به من مكان قريب لا يقام عليه الحد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى لأن عندهما قيام الرائحة شرط، وعند محمد رحمه الله تعالى ليس بشرط لقبول الشهادة وإن أتي به من مكان بعيد تنقطع الرائحة في تلك المسافة لا يشترط الرائحة، وإذا <232\3> أتي برجل وهو عاقل فقال شربت الخمر أو قال سكرت من الشراب لا يحد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ولا يصح إقراره لأن عندهما وجود الرائحة شرط وعند محمد رحمه الله تعالى ليس بشرط، ولا يحد الأخرس سواء شهد عليه الشهود أو أشار هو بإشارة معهودة يكون ذلك إقرارا منه في المعاملات لأن الحد لا يثبت بالشبهات، ويحد الأعمى، ولو قال المشهود عليه بشرب الخمر ظننتها لبنا أو قال لم أعلم أنها خمر لا يقبل ذلك منه لأنه يعرفها بالرائحة والذوق من غير ابتلاع، وإن قال ظننتها نبيذا قبل منه لأنه غير الخمر بعد الغليان والشدة يشارك الخمر في الذوق والرائحة، ولو قال أكرهت عليها لا يقبل منه لأن الشهود شهدوا عليه بالشرب طائعا ولو لم يشهدوا بذلك لا تقبل شهادتهم فلو قبلنا قوله لكان لكل من يشهد عليه الشهود بالشرب أن يقول كنت مكرها فيرتفع الحد، ولا يقام الحد على المريض ما لم يبرأ ويحبس إلى أن يبرأ فإذا برأ يقام عليه الحد فإن كان ميؤوس البرء يقام عليه الحد للحال على وجه لا يخاف منه التلف، ولا يقام الحد على الحامل ما لم تضع حملها وتخرج عن النفاس، وإذا أقر السكران أنه سكر عن الشرب لا يصح إقراره وإن كان يوجد منه رائحة الخمر لأن إقرار السكران بالحدود الخاصة لله تعالى باطل وتكلموا في السكران، وأصح ما قيل فيه ما ذكر محمد رحمه الله تعالى في الكتاب أنه إذا كان كلامه مختلطا لا يستقيم مطلقا لا جوابا ولا ابتداء فهو سكران وبه أفتى المشايخ، وإن كان بعض كلامه مستقيما وبعضه غير مستقيم فإن كان النصف مستقيما والنصف غير مستقيم لا يقام عليه الحد لأن السكر لم يتم وإن كان أكثر كلامه غير مستقيم لم يذكر محمد رحمه الله تعالى هذا في الكتاب، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال هو سكران يقام عليه الحد واعتبر الغالب ظنا كما قال في المجنون إذا كان أكثر كلامه غير مستقيم يحكم بجنونه، وإذا شهد أحد الشاهدين أنه سكران من الخمر وشهد الآخر أنه سكران من السكر أو من النبيذ لا تقبل شهادتهما، ولا حد على الصبي والمجنون إذا شرب الخمر أو سكر إذا كان يجن ويفيق إن شرب في حال جنونه لا حد عليه كالصبي، وإن شرب في حال إفاقته يحد، قوم يشربون النبيذ فأتي بهم فسكر البعض دون البعض فشهد عليهم الشهود بذلك فمن كان منهم سكران يحبس حتى يصحو ثم يقام عليه الحد، ومن لم يكن سكران لا حد عليه ولكنه يعزر وذكر في الكتاب رجل من أهل الكوفة يوجد في بيته الخمر وهو فاسق أو يوجد القوم مجتمعين على الشرب ولم يرهم أحد يشربونها غير أنهم قد جلسوا مجلس من يشربها <233\3> أو كان يوجد معه ركوة من خمر فإنه يعزر لأنه ظهر منهم أمارات العزم على الفساد وإنه معصية لا حد فيه فيعزر وكذا المقيم إذا أفطر في رمضان متعمدا يعزر ويحبس بعد ذلك إذا كان يخاف منه عوده إلى الإفطار ثانيا وكذا المسلم يبيع الخمر أو يأكل الربا ولا يرجع عنه فإنه يعزر ويحبس، وكذا المغني والمخنث والنائحة تعزر وتحبس حتى تحدث توبة وكذا المسلم إذا شتم ذميا يعزر لأنه ارتكب معصية لم يجب فيها الحد فيعزر، وإذا شرب المسلم الخمر أو سكر من غير خمر ثم ارتد والعياذ بالله ثم أسلم فإنه يقام عليه حد الزنا وحد السرقة وجميع أنواع الحد إلا حد الشرب لأن الكفر لو كان مقارنا للشرب يمنع حد الشرب فإذا اعترض أولى بخلاف سائر الحدود وإن باشر أسباب الحد في ردته لا يقام عليه حد الشرب والسكر لما قلنا وما سوى حد الشرب والسكران باشر سببا في ردته قبل أن يأخذه الإمام لا يقام عليه حد ما إلا حد القذف وإن باشر أسباب الحدود في ردته بعدما أخذه الإمام وصار بحال لا يمكنه الذهاب إلى دار الحرب يقام عليه الحدود إلا حد الشرب والسكر لأنه كافر لا يمكنه الذهاب إلى دار الحرب فكان بمنزلة الذمي ويقام على الذمي سائر الحدود إلا حد الشرب والسكر في قول أبي يوسف رحمه الله تعالى وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى لا يقام عليه حد ما إلا حد القذف.
فصل في تصرفات السكران
السكران من الخمر والأشربة المتخذة من التمر والزبيب نحو النبيذ والمثلث وغيرهما عندنا ينفذ تصرفاته كالطلاق والعتاق والإقرار بالدين والعين وتزويج الابنة الصغيرة والابن الصغير والإقراض والاستقراض والهبة والصدقة إذا قبضها الموهوب له والمتصدق عليه وبه أخذ عامة المشايخ رحمهمالله تعالى، وقال مالك رحمه الله تعالى وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى لا يصح تصرفاته وبه أخذ الطحاوي والكرخي رحمهما الله تعالى، وعن أبي بكر بن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال ينفذ من السكران كل تصرف ينفذ مع الهزل ولا يبطله الشروط الفاسدة فلا ينفذ منه البيع والشراء وينفذ منه الطلاق والعتاق والإقرار بالدين والعين والهبة والصدقة والوصية وتزويج الصغير والصغيرة، وأما ردته فلا تصح عندنا استحسانا وتصح قياسا لأن الكفر واجب النفي والإعدام لا واجب التحقيق ولهذا لو جرى على لسانة كلمة الكفر خطأ لا يكفر هذا إذا كان السكر من الشراب المتخذ من أصل الخمر نحو التمر والعنب والزبيب، فأما السكران من المتخذ من العسل والثمار والحبوب اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه وهو كاختلافهم في وجوب الحد من قال يجب الحد بالسكر عن هذه الأشربة يقول تنفذ تصرفاته ليكون زجرا له ومن قال لا يجب الحد في هذه الأشربة وهو الفقيه أبو جعفر وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله تعالى يقول لا تنفذ تصرفاته لأن نفاذ التصرف كان للزجر فإذا لم يجب الحد عندهما زجرا <234\3> لا ينفذ تصرفاته، وإن زال عقله بالبنج أو لبن الرماك لا تنفذ تصرفاته، وعن أبي حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى في الذي زال عقله بالبنج فطلق إن كان علم حين تناول البنج أنه بنج يقع الطلاق وإن لم يكن عالما لا يقع وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يقع من غير فصل وهو الصحيح، وكذا لو شرب شرابا حلوا فلم يوافقه فذهب عقله فطلق قال محمد رحمه الله تعالى لا يقع طلاقه وعليه الفتوى، هذا كله في السكران إذا شرب طائعا، وإن شرب مكرها فطلق اختلف المشايخ رحمهم الله تعالى فيه والصحيح أنه لا يقع كما لا يجب عليه الحد، وعن محمد رحمه الله تعالى أنه يقع والصحيح هو الأول، والذي ضرب على رأسه حتى زال عقله فطلق وأعتق لا تنفذ تصرفاته وإن زال عقله بالمعصية لأنه لا يحتاج إلى شرع الزاجر فكما لا يجب عليه الحد لا تنفذ تصرفاته.
كتاب الغصب
Page 123