290

وأما المتخذ من الزبيب شيئان نقيع ونبيذ أما نقيع الزبيب أن ينقع في الماء ويترك أياما حتى يستخرج <230\3> الماء حلاوته ما دام حلوا يحل شربه بلا خلاف وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فحكمه عندنا حكم الباذق في جميع الأحكام، وأما نبيذ الزبيب فهو النيء من ماء الزبيب يطبخ أدنى طبخة ما دام حلوا يحل شربه عند الكل وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فحكمه حكم المثلث من العنب في جميع الأحكام، وإن طبخ نقيع الزبيب أدنى طبخة فما دام حلوا يحل شربه وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد يحرم قليله وكثيره في قول محمد والشافعي رحمهما الله تعالى وهو كالعصير، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يحل شربه ما لم يسكر فإذا أسكر يحرم القدح المسكر وليس هذا كالعصير بدليل أنه لا يفسق شارب النقيع ولا يحد ما لم يسكر، وروى هشام عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن نقيع التمر والزبيب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد ما لم يذهب ثلثاه بالطبخ لا يحل، قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى يحتمل أن يكون في المسألة روايتان ويحتمل أن يكون فيها رواية واحدة وإنما يختلف الجواب لاختلاف الموضوع وموضوع ما ذكر في ظاهر الرواية إذا كان الماء الذي ألقي فيه الزبيب والتمر قليلا ويكون في الغلظة قبل الطبخ مثل المنصف فإذا طبخ أدنى طبخة يلتحق بالمثلث، وموضوع ما ذكر في النوادر إذا كان ذلك الماء كثيرا فيكون في اللطافة والرقة قبل الطبخ مثل العصير فيشترط فيه ذهاب الثلثين.

وأما المتخذ من التمر ثلاثة السكر والفضيخ والنبيذ، فالسكر هو النيء من ماء التمر، والفضيخ هو النيء من ماء البسر المذنب ما دام حلوا يحل شربه بلا خلاف وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فحكمه حكم الباذق في جميع ما قلنا، وأما النبيذ فهو ماء التمر أو البسر المذنب طبخ أدنى طبخة ما دام حلوا يحل شربه بلا خلاف فإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فحكمه حكم المثلث في جميع ما قلنا، وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر يحل شربه للتداوي والتقوي واستمراء الطعام دون اللهو واللعب والسكر وعلى قول محمد والشافعي رحمهما الله تعالى لا يحل لأنه مسكر ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى الآثار التي وردت في إباحة النبيذ الشديد قولا وفعلا ذكرها محمد رحمه الله تعالى في الكتاب وعن أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه أنه قال من شرائط السنة والجماعة أن لا يحرم النبيذ الحر لأن في تحريمه تفسيق كبار الصحابة رضي الله عنهم وعنه أنه قال لا أحرم النبيذ الشديد ديانة ولا أشربه مروءة أجمع كبار الصحابة رضي الله عنهم على إباحة النبيذ واحتاطوا في شربه لأجل الاختلاف وكذا السلف بعدهم كانوا يشربون النبيذ الحر بحكم الضرورة لاستمراء الطعام، وأما المتخذ مما سوى التمر والعنب نحو الثمار والسكر والفانيذ والحبوب والعسل كالشعير والحنطة والذرة وما أشبه ذلك ما لم يشتد يحل شربه بلا خلاف فإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فإن كان طبخ أدنى طبخة يحل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، واختلف المتأخرون في قول محمد <231\3> رحمه الله تعالى منهم من قال يحل شربه ما دون السكر ومنهم من قال لا يحل أصلا، وحكي عن القاضي الإمام أبي جعفر رحمه الله تعالى أنه قال وجدت رواية عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال أكرهه هذا إذا طبخت هذه الأشربة أدنى طبخة، فإذا لم يطبخ وغلى واشتد فيه روايتان عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى في رواية يشترط للإباحة أدنى طبخة وفي رواية لا يشترط ذلك فإن سكر من هذه الأشربة فالسكر والقدح المسكر حرام بالإجماع، واختلفوا في وجوب الحد إذا سكر قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى لا يحد فيما ليس من أصل الخمر وهو التمر والعنب كما لا يحد من البنج ولبن الرماك وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى وقال بعضهم يحد وقيل هو قول الحسن بن زياد رحمه الله تعالى وأما الألبان فلبن المأكول حلال ولبن الرماك كذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، ويكره في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، واختلفوا في كراهته قال بعضهم مكروه كراهية التنزيه لا كراهية التحريم، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى في أثناء الكلام أنه مباح كالبنج، وعامة المشايخ رحمهم الله تعالى قالوا هو مكروه كراهية التحريم إلا أنه لا يحد وإن زال عقله بذلك كما لو تناول البنج وارتفع إلى رأسه حتى زال عقله يحرم ذلك ولا يحد فيه.

Page 121