289

والشراب الرابع من العنب هو عصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ما دام حلوا يحل شربه عند الكل وإذا غلى واشتد يحل شربه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر لاستمراء الطعام والتدواي والتقوي لطاعة الله تعالى دون اللهو واللعب، ويحرم القدح المسكر منه وهو الذي يعلم يقينا أو بغالب الرأي أنه يسكره وعلى قول محمد والشافعي رحمهما الله تعالى لا يحل شربه إلا أن عند محمد رحمه الله تعالى لا يحد ما لم يسكر منه وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى يحد بشرب قطرة منها كما في الخمر، لمحمد والشافعي رحمهما الله تعالى قوله عليه السلام كل مسكر حرام وقوله عليه السلام ما أسكره كثيره فقليله حرام، ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى ما روي أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه بمثلث قال عمر رضي الله عنه ما أشبه هذا بطلاء الإبل كيف تصنعونه قال الرجل يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فصب عمر رضي الله عنه عليه الماء وشرب ثم ناول عبادة بن الصامت ثم قال عمر رضي الله عنه إذا رابكم شرابكم فاكسروه بالماء، وعن عمر رضي الله عنه إذا ذهب ثلثا العصير ذهب حرامه وريح جنونه وما روي من الحديثين روي عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى ما يرويه الناس كل مسكر حرام خطأ لم يثبت إنما الثابت كل سكر حرام وكذا ما يرويه الناس ما أسكر كثيره فقليله حرام ليس بثابت وإبراهيم النخعي رحمه الله تعالى كان صيرفي الحديث، ولو طبخ العصير حتى ذهب ثلثه وبقي ثلثاه ثم قطع عنه النار حتى يبرد ثم أعاد عليه الطبخ حتى ذهب نصف ما بقي فصار الذاهب من العصير ثلثاه قال في الأصل إن عاد عليه الطبخ قبل أن يغلي العصير ويغير لا بأس به لأنه ذهب ثلثاه بالطبخ وتم الطبخ قبل ثبوت الحرمة، ولو أنه قطع عنه النار بعدما ذهب ثلثه فغلى العصير وتغير ثم أعاد عليه الطبخ لا خير فيه لأن الطبخ الثاني وجد بعد ثبوت الحرمة فلا يفيد الطبخ كما لو طبخ الخمر، ولو طبخ العصير حتى ذهب ثلاثة أخماسه وبقي خمساه فقطع عنه النار فلم يبرد حتى نقص تمام الثلثين فلا بأس به، قال الشيخ الإمام الزاهد المعروف بخواهر زاده رحمه الله تعالى لأن ما ذهب بعد قطع النار قبل أن يبرد ذهب بحرارة النار ومادتها، ولو ذهب بحرارة الشمس لا بالنار يحل فإنهم قالوا بإباحة المشمس وهو أن يجعل العصير في طست أو آنية ويوضع في الشمس حتى ينتقص منه الثلثان بحر الشمس يجوز شربه لأن المقصود ذهاب الثلثين ولا فرق فيه بين أن يذهب ثلثاه بحر النار أو بحر الشمس، وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى إذا طبخ العصير حتى ذهب منه أقل من ثلثه فقطع عنه النار وبرد ثم طبخ حتى تم ذهاب الثلثين لا خير فيه، وقال محمد رحمه الله تعالى لا بأس به وعن محمد رحمه الله تعالى إذا طبخ العصير فلم يذهب ثلثاه فقطع عنه النار وبرد ثم أعيد الطبخ إن كان بعدما قطع عنه النار زمان يغلي العصير من غير نار فلا خير فيه وإن كان لا يغلي <228\3> في ذلك القدر من الزمان فلا بأس به، والصحيح ما قال في الكتاب أنه إذا أعيد النار بعدما غلى العصير وحرم لا يحل شربه العصير إذا طبخ بعد ما غلى واشتد وقذف بالزبد فذهب ثلثاه بالطبخ وبقي ثلثه لا خير فيه لأن هذا طبخ بعد ثبوت الحرمة فلا يفيد فإن شربها ولم يسكر قالوا ينبغي أن لا يحد لأنه لم يشرب الخمر حقيقة، وذكر في الكتاب أن فيما سوى الخمر من الأشربة لا يحد ما لم يسكر، إذا صب الماء على المثلث حتى رق ما دام حلوا يحل شربه في قولهم فإن غلى واشتد وقذف بالزبد فإن طبخ أدنى طبخة بعدما صب عليه الماء ثم غلى واشتد حل شربه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى بلا خلاف بين المشايخ وإن لم يطبخ أدنى طبخة بعدما صب عليه الماء اختلف المشايخ فيه حكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله تعالى أنه قال يشترط أن يطبخ أدنى طبخة، وغيره من المشايخ قال لا يشترط ذلك والأفضل أن يطبخ أدنى طبخة ليكون قول كل المشايخ رحمهم الله تعالى، رجل صب عشرة دوارق عصير في قدر وطبخ فغلى وقذف بالزبد فجعل يأخذ ذلك الزبد وجمعه في قدر آخر فكان دورقا ثم يطبخ الباقي بعد ذلك حتى يحل قال في الكتاب يطبخ الباقي حتى يبقى ثلاثة دوارق وهو ثلث الباقي بعد الدورق الذي أخذ من الزبد لأن ما أخذ من الزبد جعل كأن لم يكن لأن الزبد ليس بعصير فصار كأنه صب فيه دورقا من ماء وثمة لا يعتبر الماء وإنما يعتبر أن يذهب من العصير ثلثاه فيطبخ حتى يذهب ثلثاه كما لو كان الملقى تسعة دوارق عصير ويطبخ حتى يذهب ثلثا التسعة ويبقى ثلاثة دوارق كذلك ههنا وهكذا إن أخرج منه دورقين ثم طبخه حتى يذهب ثلثا الباقي وذلك خمسة وثلث ويبقى دورقان وثلثا دورق لأن ما أخرج من الزبد جعل كأن لم يكن فكأنه لم يصب في القدر من العصير إلا ثمانية دوارق عصير ولو كان كذلك يطبخ حتى يذهب ثلثا ثمانية دوارق وذلك خمسة وثلث فيبقى دورقان وثلثا دورق وإن خرج دورقا من الزبد وذهب في غليانه دورق عصير فإنه يطبخ إلى ذهاب ثلثي ما بقي بعد إخراج الزبد وذلك ثلاثة دوارق لأن ما ذهب من الزبد يصير كأن لم يكن فيبقى تسعة ويطبخ حتى يذهب ثلثاه وذلك ستة ويبقى ثلثه وهو ثلاثة لأن ما ذهب بالغليان من العصير معتبر وما أخذ من الزبد غير معتبر عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، رجل صب في قدره عشرة دوارق عصير وعشرين دورقا ماء وأراد طبخه فإنه ينظر إن كان يعلم أن الماء يذهب أولا وقد يكون الماء أسرع ذهابا من العصير بالنار لأنه أرق وألطف من العصير فإن كان كذلك يطبخ حتى يذهب كل الماء أولا ثم يذهب ثلثا العشرة وذلك ستة وثلثان وبقي ثلثه وهو ثلاثة وثلث فذلك تسع الجملة وإنما يعرف ذلك بأن يجعل كل عشرة دوارق من الماء على ثلاثة أسهم لحاجتنا إلى أن يجعل عشرة دوارق عصير على ثلاثة أسهم لحاجتنا إلى الثلث والثلثين فيكون الماء ستة أسهم والعصير ثلاثة والكل تسعة أسهم فإذا ذهب الماء أولا فقد ذهب ستة من تسعة فيجعل ذلك كأن لم يكن بقي الباقي من العصير وهو ثلاثة أسهم <229\3> فيطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب من الجملة مرة ستة ومرة اثنان فقد ذهب ثمانية أسهم وبقي سهم واحد وهو تسع الجملة وهو في الحاصل ثلاثة دوارق وثلث لأن العصير صار على ثلاثة أسهم كل سهم منه ثلاثة دوارق وثلث، وإن كان العصير والماء يذهبان معا يجب أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه وذلك عشرون ويبقى ثلثه وذلك عشرة لأنه متى بقي عشرة كان ثلثاه ماء وثلثه عصيرا إذا كانا يذهبان معا فيكون ثلاثة وثلث عصيرا وقد كان العصير عشرة ولم يبق إلا ثلاثة فيحل، فكأن محمدا رحمه الله تعالى علم أن العصير على نوعين منه ما لو صب فيه الماء ويطبخ يذهب الماء أولا ومنه إذا صب فيه الماء يذهبان معا ففصل الجواب تفصيلا، وحاصل الجواب أن الماء متى كان أسرع ذهابا بالنار يطبخ حتى يبقى ثلث العصير وإن كانا يذهبان معا فإنه يطبخ حتى يبقى ثلث الكل وبهذا يخرج أكثر مسائل طبخ العصير، وإذا طبخ الرجل عصيرا حتى ذهب ثلثه وبقي ثلثاه ثم جعل منه مشمسا فإن كان جعل قبل أن يغلي ويتغير بأن كان حلوا أو قارصا لا بأس بذلك لأن الطبخ وجد قبل ثبوت الحرمة، وإن كان طبخ بعدما صار خمرا لا يحل لأن الطبخ وجد بعد ثبوت الحرمة وقد ذكرنا أن الطبخ بعد ثبوت الحرمة لا ينفع، والمشمس هو الذي وضع في الشمس حتى ذهب ثلثاه بالشمس فهو بمنزلة المثلث الذي ذهب ثلثاه بالنار عندنا، ولو طبخ العنب حتى نضج ثم عصر وترك حتى اشتد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا بأس بشربه، وقال الشيخ الإمام المعروف بخواهر زاده رحمه الله تعالى العنب بمنزلة الزبيب إذا طبخ أدنى طبخة لا بأس به، وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا يحل شرب المشتد منه حتى يذهب ثلثا الماء الذي كان في العنب وعليه الفتوى.

والمتخذ الخامس من العنب البختج واختلفوا في تفسيره قال الحاكم أبو محمد الكعبي رحمه الله تعالى هو عصير العنب يصب فيه الماء ثم يطبخ قبل الغليان حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه فيكون الذاهب من العصير أقل من الثلثين يحل شربه ما دام حلوا وإذا غلى واشتد وقذف بالزبد يحرم قليله وكثيره وهو والجمهوري سواء، وقال بعضهم البختج هو الحميدي وهو أن يصب الماء على المثلث ويترك حتى يشتد ويقال له أبا يوسفي لكثرة ما استعمله أبو يوسف رحمه الله تعالى وهل يشترط لإباحة هذا أن يطبخ أدنى طبخة بعدما صب عليه الماء قبل الغليان والشدة اختلفوا فيه على نحو ما ذكرنا في المثلث فإن غلى واشتد حل شربه ما لم يسكر منه فإن سكر منه يحد، وقال الشافعي رحمه الله تعالى يحد بتناول قطرة منها.

وأما الجمهوري فهو النيء من ماء العنب إذا صب عليه الماء وطبخ أدنى طبخة ما دام حلوا يحل شربه عند الكل وإن غلى واشتد وقذف بالزبد فهو والباذق سواء في الحكم فإن صب الماء على ثفوله بعد ذلك وعصر واستخرج الماء فغلى واشتد قال بعضهم هو يكون بمنزلة الخمر في جميع الأحكام وقال بعضه حكمه لا يكون حكم الخمر.

Page 120