284

فصل في كري الأنهار وعمار المجاري والمسالك الأنهار ثلاثة منها ما يكون كريه على السلطان، ومنها ما يكون كريه على أصحاب النهر فإذا امتنعوا يجبرون على ذلك، ومنها ما يكون كريه على أصحاب النهر وإذا امتنعوا لا يجبرون، أما الأول فهو النهر العظيم الذي لم يدخل في المقاسم كالفرات والدجلة والجيحون والسيحون والنيل وهو نهر في الروم، وإذا احتاج إلى الكري فإصلاح شطه يكون على السلطان من بيت المال فإن لم يكن في بيت المال مال يجبر المسلمين على كريه ويخرجهم لأجله فإن أراد واحد من المسلمين أن يكري منها نهرا لأرضه كان له ذلك إذا لم يضر بالعامة فإن أضر بالعامة بأن ينكسر شط النهر ويخاف منه الغرق يمنع من ذلك، وأما الذي يكون كريه وإصلاحه على أهل النهر وإذا امتنعوا أجبرهم الإمام على ذلك وهو الأنهار العظام التي دخلت في المقاسم عليها قرى فإن فسد واحتاج إلى الكري والإصلاح كان ذلك على أهل النهر وإذا امتنعوا أجبرهم الإمام لأن فساد ذلك يرجع إلى العامة وفيه تقليل الماء على أهل الشفة وعسى أن يؤدي ذلك إلى عزة الطعام فإذا كان منفعة الماء تعود إليهم وضرر ترك الكري يرجع إلى العامة أجبرهم على الكري وليس لأحد أن يكري من هذا النهر نهرا لأرضه أضر ذلك بأهل النهر أو لم يضر ولا يستحق بهذا الماء الشفة، وأما النهر الذي يكون كريه على أهل النهر وإن امتنعوا لا يجبرون فهو النهر الخاص وتكلموا في النهر الخاص قال بعضهم إن كان النهر لعشرة فما دونها أو عليه قرية واحدة يفئ <217\3>ماؤه فيها فهو نهر خاص يستحق به الشفعة، وإن كان النهر لما فوق العشرة فهو نهر عام وقال بعضهم إن كان النهر لما دون الأربعين فهو نهر خاص وإن كان لأربعين فهو نهر عام، وقال بعضهم إن كان لما دون المائة فهو خاص وقال بعضهم إن كان لما دون الألف فهو خاص وأصح ما قيل فيه أن يفوض إلى رأي المجتهد حتى يختار أي الأقاويل شاء، ثم في النهر الخاص لو أراد بعض الشركاء الكري وامتنع الباقون قال أبو بكر بن سعيد البلخي رحمه الله تعالى لا يجبرهم الإمام ولو حفره الذين طلبوا الحفر كانوا متطوعين وقال أبو بكر الإسكاف رحمه الله تعالى يجبرون على ذلك، وذكر الخصاف رحمه الله تعالى في النفقات أن القاضي يأمر الذين طلبوا الكري بالكري فإذا فعلوا ذلك كان لهم منع الآخرين من الانتفاع به حتى يدفعوا إليهم حصصهم من مؤنة الكري، وهكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، وإن أراد كلهم ترك الكري في ظاهر الرواية لا يجبرهم الإمام ،وقال بعض المتأخرين يجبرهم الإمام وإذا أجمعوا على كري النهر قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى البداءة بالكري من أعلاه فإذا جازوا أرض رجل رفع عنه مؤنة الكري وكان على من بقي، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يكون الكري عليهم جميعا من أول النهر إلى آخره بحصص الشرب والأراضي وليس على أهل الشفة من الكري شيء لأنهم لا يحصون، لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إن صاحب الأعلى كما ينتفع بكري الأعلى ينتفع بكري الأسفل بصب الماء ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الكري مؤنة الملك فيكون على المالك ولا ملك لصاحب الأعلى فيما جاوز ملكه وإنما ينتفع بملك الغير فلا يلزمه المؤنة بحكم المنفعة كمن له مسيل ماء على سطح جاره لا يكون عليه عمارة سطح الجار ولهذا لا يجب الكري على أصحاب الشفة بحكم المنفعة وبقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أخذوا في الفتوى، فإن كان فوهة النهر لأرضه في وسط أرضه فكرى إلى فوهة النهر هل يسقط عنه الكري في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى اختلفوا فيه قال بعضهم يسقط ويرفع عنه الكري وقال بعضهم لا يسقط ما لم يجاوز أرضه وهو الصحيح لأن له أن يفتح الماء في أرضه في أوله وفي آخره واختلفوا أيضا أن الكري إذا جاوز أرضه هل له أن يفتح الماء لأرضه أو لا يفتح حتى يفرغ الكل عن الكري قال بعضهم له أن يفتح، وقال بعضهم لا يفتح حتى يفرغ الكل لأنه لو فتح قبل ذلك يختص بالماء قبل شركائه ولهذا اختار المتأخرون البداءة بالكري من أسفل النهر، نهر يجري في سكة يحفر في كل سنة مرتين ويجتمع تراب كثير في السكة قالوا إن كان التراب على حريم النهر لم يكن لأهل السكة تكليف أرباب النهر بنقل التراب، وإن كان التراب جاوزحريم النهر كان لهم ذلك ، نهر لقوم يجري في أرض رجل حفروا النهر وألقوا التراب في أرضه إن كان التراب في حريم النهرلم يكن لصاحب الأرض أن يأخذ أصحاب <218\3>النهر برفع التراب لأن لهم حق إلقاء التراب في حريم النهر فإن ألقوا التراب في غير حريم النهر كان له أن يأخذهم برفع التراب، بئر لماء المطر في سكة عند باب دار رجل امتلأ ولصاحب الدار ضرر بذلك قال بعضهم له أن يكبس البئر، قال مولانا رحمه الله تعالى وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل إن كان البئر قديما لم يكن له ذلك وإن كان محدثا كان له ذلك، بئر لرجل في دار غيره لم يكن لصاحب البئر حق إلقاء الطين في داره إذا حفر البئر، امرأة لها تسعة أجربة من الأراضي فجاء السيل وخرب مجرى هذه الأراضي فاستأجرت أقواما ليعمروا المجرى على أن تعطيهم ثلاثة أجربة من هذه الأراضي قال بعضهم أرجو أن تكون الإجارة جائزة وعليها ثلاثة أجربة من الأراضي، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى هذا الجواب يوافق قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أما على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا تجوز هذه الإجارة فإن عنده لو باع كذا ذراعا من هذا الأراضي لا يجوز فكذلك الإجارة والفتوى على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعلى هذا لو عينت للآجر الأجربة الثلاثة في العقد جاز عند الكل، نهر كبير ينشعب منه نهر صغير فخربت فوهة النهر الصغير وأرادوا إصلاحه بالآجر والجص قالوا إصلاح الدرقة على أصحاب النهر الصغير لأن منفعة الدرقة تعود إليهم خاصة، مزرقة يخرج منها الماء فيسيل في مجريين وبين المجريين حائل من خشب يفسد أحيانا فقال أهل المجرى الذي لا يبقى فيه الماء عند فساد الحائل لأهل المجرى الآخر نحن نريد أن تجعلوا مجراكم من النورة والآجر ليمسك الماء قالوا ليس لهم تعيين آلة إصلاح المجرى إنما الواجب عليهم تحصين الموضع الذي يفسد حتى يمتنع تحول حق غيرهم إليهم وما زاد على ذلك فهو تشه وتمن، مسناة بين نهر صغير وكبير فخربت واحتاجت إلى الإصلاح قالوا إصلاح المسناة يكون على أهل النهرين ونفقة ذلك عليهم نصفان إن كان كل المسناة حريما للنهرين ولا يعتبر في ذلك قلة الماء وكثرته كجدار بين جارين حمولة أحدهما عليه أكثر كانت نفقة الجدار عليهما نصفين، بخلاف المزرقة إذا خربت فإن نفقتها تكون على قدر مياههم لأنهم يستعملون المزرقة لمياههم فكان إصلاحها على قدر مياههم ليكون مؤنة الملك على قدر الملك، رجل له مسيل ماء السطح على سطح جاره فخرب سطح الجار فقال صاحب السطح لصاحب المسيل ضع ناوقة في موضع المسيل حتى يسيل الماء إلى مصبه كان إصلاح المسيل على صاحب السطح الذي عليه المسيل، نهر في دار رجل يتعدى ضرر مائه إلى دهليز الدار ثم يتعدى من الدهليز إلى دار رجل آخر ويتضرر بذلك ضررا فاحشا قال الفقيه أبو بكر البلخي رحمه الله تعالى إن لم يكن النهر ملكا لصاحب الدار بل الماء لأهل الشفة يجري في هذه الدار فكل من يتضرر بالماء كان عليه إصلاح النهر ودفع الضرر عن نفسه وقال أبو القاسم رحمه الله تعالى إصلاح النهر يكون على <219\3>أصحاب المجرى وبه أخذ الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى لأنه لا ملك ههنا لأحد فقام صاحب المنفعة مقام المالك، وقف على مرمة نهر سكة كذا وكان الماء ينصب من النهر الأعظم في درقة ثم يسيل إلى سكة ثم يسيل من تلك السكة إلى السكة التي الوقف عليها فاحتاج النهر إلى المرمة في السكة الأولى قالوا لا تجوز مرمة النهر في السكة الأولى من غلة الوقف وإنما يرم من تلك الغلة الموضع الذي يكون من النهر في السكة الموقوف عليها، ولو كان الماء ينصب من النهر الأعظم في فضاء ليس فيه شفة ولا شاربة ثم يسيل من الفضاء إلى السكة الموقوف عليها فإنه يرم من غلة الوقف من أعلى النهر إلى أن يخرج من السكة الموقوف عليها لأن في الوجه الأول النهر ينسب إلى السكتين جميعا وفي الوجه الثاني النهر من أعلاه إلى أسفله ينسب إلى السكة الموقوف عليها، ولو احتاج النهر إلى الحفر لا يحفر من غلة الوقف لأن الحفر ليس من المرمة، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى إن كان يخاف تخريب المسناة لو لم يحفر النهر يجوز أن يجفر من غلة الوقف لأن عند خوف تخريب المسناة يكون حفر النهر من المرمة.

Page 112