228

(فصل فيما يستحق على القاضي وما ينبغي له أن يفعل وما لا يفعل) لا ينبغي للقاضي أن يبيع ويشتري بنفسه بل يفوض ذلك الى غيره* وعن محمد رحمه الله تعالى أنه لا بأس بأن يفعل ذلك في غير مجلس القضاء * والصحيح أنه لا يفعل لا في مجلس القضاء ولا في غيره لان الناس يساهلونه لأجل القضاء ولا ينبغي لمن يدخل مجلس القضاء لأجل الخصومة أن يسلم على القاضي ولو سلم لا يجب على القاضي رد سلامه فان أراد القاضي جوابه ينبغي أن لا يزيد على قوله وعليكم * ويسلم [365] الشاهد على القاضي ويرد عليه ولا بأس للقاضي ان يفتي من لم يخاصم اليه ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم اليه*واذا خاصم رجل السلطان الى القاضي فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه وخصمه على الأرض ينبغي للقاضي أن يقوم من مقامه ويجلس فيه خصم السلطان حتى لا يكون مفضلا أحد الخصمين على الآخر في الجلوس وهذه المسألة تدل على أن القاضي يصلح قاضيا على السلطان الذي قلده والدليل عليه قصة علي رضي الله تعالى عنه عند شريح رضي الله تعالى عنه * ويقضي القاضي وهو مستوف حظه من الطعام والشراب * ولا يقضي وهو جائع ولا شبعان ولا غضبان ولا كظيظ من الطعام ولا مأخوذ أحد الاخبثين ولا به نعاس أو نوم ولا يشار أحد الخصمين ولا يضم أحدهما الى نفسه ولا يضحك* وصاحب مجلسه يقيم الخصوم بين يديه من العبد والشهود تقرب من القاضي ويخرج للقضاء في أحسن ثيابه وأعدل أحواله* ويأخذ كاتبا عالما ورعا فان كان القاضي فقيرا محتاجا الأولى له أن يأخذ رزقه من بيت المال بل يفترض عليه وان كان غنيا تكلموا فيه والأولى له أن لا يأخذ من بيت المال * ويجلس للقضاء في مسجد حيه والمسجد الجامع أفضل اذا كان المسجد الجامع في وسط البلدة فان كان في طرف من البلدة يختار مسجدا آخر في وسط البلدة* وله أن يقضي فيداره اذا كانت داره في وسط البلدة ويختار الجلوس في مسجد السوق ليكون أشهر * وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس للقاضي أن يقضي في المسجد* فاذا جلس القاضي في المسجد أو في داره يأخذ بوابا ليمنع الخصوم من الازدحام * ولا يباح للبواب أن يأخذ شيأ ليأذن بالدخول* ومتى دخل القاضي المسجد يصلي ركعتين أو أربعا ثم يجلس مستدبرا القبلة كما يجلس المدرس والخطيب*ولا تدخل فيه الحائض والنفساء ولكن القاضي يخرج اليهن أو يجلس القاضي في المسجد وهي خارجه بحيث يسمع كلامها والمشرك يدخل المسجد هذا في عرفنا * اما في عرفهم كان القاضي يجلس مستقبل القبلة* واذا جلس الخصوم بين يديه هل يستنطقهم قال أبو يوسف رحمه الله تعالى يستنطقهم فيقول أيكما المدعي فاذا عرف المدعي يقول له ماذا تدعي * وقال محمد رحمه الله تعالى لا يفعل ذلك وقول أبي يوسف رحمه الله تعالى أوفق* واذا ادعى المدعي شيأ على المدعى عليه يكتب القاضي على بياض صورة الدعوى ثم يقول للمدعى عليه ماذا تقول فان أقر بما ادعاه المدعي أثبت اقراره في كتابه ويأمر المدعى عليه بايفاء الحق وان أنكر يكتب انكاره في ذلك ثم يأمر المدعي باقامة البينة هذا كان في عرفهم أما في عرفنا المدعي يجيء الى كاتب القاضي فيخبره بكيفية دعواه ويصور عنده صورة الدعوى فيكتب الكاتب ذلك ثم يجيء الى القاضي مع خصمه ويدعي عليه فان أقر خصمه أثبت القاضي اقراره في الكتاب ويأمره بقضاء الحق وان أنكر أمر المدعي باقامة البينة فان جاء المدعي بشهود فشهدوا عنده على الترتيب يكتب القاضي شهادة كل شاهد ويكتب اسمه واسم ابيه وجده ويترك بين كل خطين بياضا بيانا لشهادة كل واحد منهم* واذا جاء رجل الى القاضي وذكر ان له على فلان ابن فلن دعوى فان كان المدعى عليه غائبا يدفع القاضي اليه طية عليها ختم القاضي مكتوبا فيها أجب خصمك الى مجلس الحكم وان كان المدعى عليه حاضرا في المصر أحضره القاضي بمجرد دعوى المدعي وكذا اذا كان قريبا من المصر فان كان بعيدا لا يعدى خصمه بمجرد قول المدعي حتى يقيم البينة أن له على فلان حقا فان أقام البينة أعداه القاضي استحسانا وفي القياس لا يعدي كما لو كان بعيدا والفاصل بين القريب والبعيد ما قال الخصاف انه ان كان في موضع يمكنه أن يحضر مجلس[366] القاضي ويجيب خصمه ويعود الى منزله في ذلك اليوم ولا يفسد عشاؤه فهو قريب والا فهو بعيد* وعلى هذا الشهادة على الشهادة ان كان شاهد الأصل في مكان قريب على هذا التفسير لا تجوز الشهادة على الشهادة وان كان بعيدا بهذا التفسير تجوز الشهادة على الشهادة وعن محمد رحمه الله تعالى أنه يجب على الامام أن ينصب قضاة في الكور فيما دون مدة السفر احترازا عن مشقة الاعداء ويسقط الاعداء بعذر المرض وكذا اذا كانت المرأة مخدرة وذكر الشيخ الامام علي بن محمد البزدوي رحمه الله تعالى المخدرة هي التي لا تكون برزة بكرا كانت أو ثيبا لا يراها غير المحارم من الرجال أما التي جلست على المنصة فرآها رجال أجانب كما هو عادة بعض البلاد لا تكون مخدرة * والمرأة التي تخرج الى حوائجها يعديها القاضي * وفي المخدرة يبعث القاضي اليها أمينا اذا لم تثبت الوكالة عنها ليستحلفها* وكذا في المريض فان نكلت ثلاثا أشهد على ذلك شهودا ويأخذ وكيلا فاذا شهدوا به عند القاضي قضى بذلك على الوكيل ولا يقضي الأمين الا أن يكون القاضي مأذونا بالاستخلاف فبعث الامين واستخلفه وفي هذا وجه آخر أن يحكما بينهما حكما ليحكم بينهما ثم يرفع حكمه الى القاضي فيجيزه القاضي ان رآه جائزا * وان كان المدعى عليه غائبا بعيدا عن المصر على التفسير الذي ذكرنا لا يشخصه القاضي ما لم يقم المدعي البينة على ما ادعى فاذا أقام قبلت بينته للأشخاص لا للقضاء والمستور في هذا يكفي* وان سأل المدعي من القاضي ختما لاحضار خصمه أعطاه القاضي فاذا ذهب به الى الخصم اراه ذلك وأخبر أنه ختم القاضي ليدعوه في وقت كذا فان امتنع ورد ذلك أشهد عليه شاهدين فاذا شهدا بذلك عند القاضي يستحضره القاضي باعوانه ان قدر والا يسأل الوالي أن يستحضره * ومؤنة المستحضر على المتمرد هو الصحيح وقيل تكو في بيت المال فاذا أحضر يحبسه القاضي عقوبة وكذا اذا سكت المدعى عليه بعد ما رأى الختم ولم يرد لأنه ظهر تعنته وكذا اذا وعد ثم خالف الا أن هذا دون الأول في العقوبة * ولو ادعى على صبي محجور حقا فان لم يكن له بينة على ما ادعى لم يحضره القاضي * وان أخبر القاضي أن فلانا طلق امرأنه ثلاثا أو استرق الحر ان اخبره بذلك عدلان كان على القاضي أن يطلبه أشد الطلب وان كان المخبر عدلا واحدا أو لم يكن عدلا وغلب على ظن القاضي أنه صادق فالأولى أن يطلبه وان لم يغعلب على ظنه أنه صادق لم يكن عليه أن يطلبه * ولو ان رجلا قال للقاضي ان لي على فلان حقا وهو في منزله يتوارى عني ولا يحضر معي فان القاضي يستحضره فان لم يقدر يكتب الى الوالي في احضاره فالن قال الوالي لا اظفر به وسال المدعي من القاضي تسمير الباب والختم عليه فان القاضي لا يجيبه الى ذلك الا أن يأتي بشاهدين أنه في منزله فان شهدا بذلك سألهما القاضي من أين علمتما فان قالا لانا رأيناه في منزله اليوم أو أمس أو ما أشبه ذلك فان القاضي يختم على بابه ويجعل بيته حبسا عليه ويسد أعلاه وأسفله حتى يضيق المر فيخرج* وان قالا ما رأيناه منذ شهر لا يلتفت الى كلامهما لأنه قد يغيب اذا طالت المدة وقدر ذلك بثلاثة أيام وان ختم القاضي على بابه ولم يخرج قال أبو يوسف رحمه الله تعالى يبعث القاضي رسولا ومعه شاهدان فينادي الرسول على بابه يا فلان ابن فلان ان القاضي فلان ابن ابن فلان يقول لك احضر مع فلان بمجلس الحكم والا أنصب لك وكيلا وأقبل بينة المدعي عليك هكذا يفعل القاضي ثلاثة ايام فان لم يحضر يفعل ما قال ويقضي على وكيله بما يدعي عليه الخصم* قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى كان الامام الاستاذ يقول رأيت في النوادر هذا عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فكان ذلك منهم اتفاقا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وكذا لو كتب القاضي الى القاضي كتابا في حادثة فلم يقدر القاضي المكتوب اليه على الخصم فان القاضي يوكل عنه على نحو ما قلنا * قال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى وأصحابنا لم يجوزوا الهجوم وصورته أن يبعث القاضي نساء يطلبنه في البيت وأعوانا يأخذون السفل والعلو كيلا يهرب وقال السيخ الامام علي بن محمد البزدوي رحمهما الله تعالى والمشهور من قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن القاضي لا ينصب وكيلا بعد ختم الباب ولكنه يهجم عليه صورته ما قلنا انهيبعث نساء ورجالا تدخل النساء منزل المدعى عليه وتجعل النساء الخدم من جانب ثم تفتش امرأة ثقة حرمه وخدمه كيلا يكون فيهن رجل يتشبه بالمرأة فان وجد المدعى عليه يؤخذ وان لم يوجد يطلب فيما بقي من البيت قال وهذا استحسان فعله عمر رضي الله تعالى عنه والصالحون بعده وتركوا فيه القياس فان كان المديون يسكن دارا باجارة وامتنع من الحضور الى باب القاضي هل يسمر القاضي بابه اختلفوا فيه والصحيح أنه يسمر وان كان ساكنا في دار مشتركة لا يسمر بابه * والرجل الذي توجه عليه الحكم بالبينة اذا اختفى لا يقضي القاضي عليه في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى يعذر ثلاثة أيام فينادي على بابه ثلاثة ايام على نحو ما قلنا فان خرج والا يقضي عليه وان لم يختف ولكنه غاب لا يقضي عليه* وذكر الخصاف اذا غاب المدعى عليه بعد ما سمع القاضي عليه البينة أو غاب الوكيل بالخصومة بعد قبول البينة قبل التعديل أو مات الوكيل ثم عدلت تلك البينة لا يقضي بتلك البينة وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى يقضي وقال شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى وهذا أرفق بالناس * ولو أقر المدعى عليه ثم غاب فانه يقضي عليه باقراره في قولهم وان غاب الوكيل أو مات بعد ما أقيمت عليه البينة ثم حضر الموكل يقضي عليه بتلك البينة كذا ذكر في الزيادات وكذا لو غاب الموكل ثم حضر الوكيل فانه يقضي عليه بتلك البينة وكذا لو مات المدعى عليه بعد ما أقيمت عليه البينة يقضي بتلك البينة على الوارث* وكذا لو أقيمت البينة على أحد الورثة ثم غاب فانه يقضي بتلك البينة على الوارث الآخر وكذا لو أقيمت البينة على الصغير ثم بلغ الصغير يقضي عليه بتلك البينة ولا يكلف باعادة البينة.

*(باب الدعوى)*

Page 205