279

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

[المسألة الثّانية]:
استغناؤه ﷿ عن العرش وما دونه يقتضي أنَّ العرش وما دونه محتاج إليه ومفتقر إلى الربّ ﷾، وهذا له جهتان:
١- الجهة الأولى: أنَّ العرش وما دونه مُفْتَقِر لله ﷿؛ لأنَّهُ لا قَوَامَةَ لَهُ ولا قيام له بنفسه، فهو محمولٌ، له قوائم كما مَرَّ معنا في وصفه، وهو محمول والذي يحمله خَلْقٌ سَخَّرَهُمْ الله ﷿ لحمله وأقْدَرَهُمْ على ذلك، فقُدْرَتُهُم في حمل العرش واستقراره وفي بقائه وقيامه إنما هو بقدرة الله ﷿، فهذا نوع من الحاجة.
٢- الجهة الثانية: أنَّ كلّ شيء عبدٌ لله ﷿، ومن ذلك العرش، فالعرش من مخلوقات الله التي تَعْبُدُهُ وتُسَبِّحُهُ وتذِلُ له ﷿، وكذلك حملة العرش، وكذلك من في السموات ومن في الأرض، وكذلك ما في السموات وما في الأرض، وقد قال ﷿ ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، وقال أيضًا ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فقوله ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذه نكرة جاءت في سياق النفي بـ ﴿إِنْ﴾، لأَنْ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى ما و﴿إِلَّا﴾ بعدها حاصرة أو قاصرة، فيكون المعنى: ما من شيء إلا يسبّح بحمده.
والعرش شيء، وتسبيحه بحمد الله ﷿ نوع من الذل والعبودية له ﷾، والعبودية والذل معنىً من معاني الافتقار إلى الرب ﷻ وتقدست أسماؤه.
وفي هذا تنبيه للعباد بعامة أنّ هذا المخلوق العظيم الذي الكرسي بالنسبة إليه كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، (والكرسي) السموات السبع بالنسبة إليه كما جاء في كلام السلف كدراهم سبعة ألقيت في تُرْسْ أو كحلقات ألقيت في ترس، والأرض صغيرة بالنّسبة للسموات، فإنّ هذا يعني أنك أيها العبد أيها الإنسان المخلوق الضعيف الذي تعرف ضعفَك، تنظر إلى العرش الذي هو مفتقر إلى الله ﷿ مُسَبِّحٌ ذالٌ منيبٌ إلى ربه ﷿، كيف أنه لا يستغني عن مولاه، وكيف أنه يُسَبِّحُ ويحمد ويَذِلُّ لله ﷿، فهذا المخلوق الضعيف جدا الذي هو الإنسان وأُبتلي بالتكليف لاشك أنه أولى بالذل لله؛ لأنه ضعيف جدًا ومفتقر للغاية.
فإذًا النظر إلى العرش وفَقْرْ العرش إلى الله ﷿، وأنَّ قوامَةَ العرش على عِظَمِهِ وعِظَمِ خلق السموات وضعف نِسْبَةِ خلق السموات إلى العرش جدًا، كيف الإنسان ينظر إلى نفسه لاشك أنه يستفيد من هذا في قلبه وعمله أنه أولى بالافتقار إلى الله وأولى بالذل إلى الله، وأولى بالعبودية لله ﷻ وتقدّست أسماؤه وهذا من ثمرات التّفكر الشّرعي والنظر في ملكوت السموات والأرض، والنظر أيضا فيما ذكر الله ﷿ في كتابه من أنواع خلقه التي لم نر ومنها عرشه ﷻ وتقدست أسماؤه.

1 / 279