262

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya - Ṣāliḥ Āl al-Shaykh = Ittiḥāf al-Sāʾil bimā fī al-Ṭaḥāwiyya min masāʾil

شرح العقيدة الطحاوية - صالح آل الشيخ = إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل

قال ﵀ بعد ذلك (فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ -يعني في اللوح- أَنَّهُ كَائِنٌ؛ لِيَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِنٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ؛ لِيَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَخْطَأَ الْعَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ.) .

وهذه العقيدة هي حقيقة الإيمان بالقضاء والقَدَرْ.
هي أنْ يعلم العبد أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لو فَعَلَ ما فَعَلْ فإنه لن يَحْجِبَ قضاء الله ﷿ وقدره، لم؟
لأنه لا يمكن أن يفعل خلاف ما قدَّرَ الله ﷿.
لهذا وجب التسليم لله ﷿ في أمره، ووجب في أَمْرِ المصائب التي لا اختيار للعبد فيها أن يُسَلِّمَ لله ﷿ ذلك، وأن يؤمن بقضاء الله ﷿ الذي يقضيه.
وقضاء الله ﷿ كما ذكرت لك هو إنفاذه ما قَدَّر ﷿.
وهذا القضاء له جهتان:
١ - جهة متعلقة بالله ﷿، وهي فعله ﷾.
وفعله بأن يقضي صفة من صفاته.
فهذه يجب على العبد أن يُحِبَّهَا وأن يرضى بها لأنها صفة من صفات الله ﷻ.
٢ - جهة متعلقة بالعبد لا بالرب، فيكون مَقْضِيًا على العبد.
والمقضي على العبد نوعان:
- مقضي عليه من جهة المصائب.
- ومقضي عليه من جهة المعايب.
والمصايب ربما كان لا اختيار له فيها، والمعايب فَعَلَهَا بإرادته.
لهذا بَحَثَ العلماء مسألة الرّضا بالقضاء وهل القضاء تسليم له، يعني الرضا به؟
وتحقيق القول في هذه المسألة أنْ تَعْلَمَ أَنَّ القضاء غير المَقْضِي.
المقضي هذا تَعَلُّقْ القضاء بالعبد.
والقضاء هو قضاء الله ﷿ وهو فعله.
وقد يقال فيما يتعلق بالعبد: هذا قُضِيَ عليه وصار قضاءً عليه، فيكون قَضَاء بالنسبة للعبد وهو مَقْضِي.
لهذا نقول: جهة الرب ﷿ في القضاء هذه نرضى بها ونحبها.
وأما ما يقضيه الله ﷿ على العبد فإنه ما كان من المعايب من المعاصي والآثام التي تقع منه فإنه يجب عليه أن لا يرضى بها.
يعني وَقَعَتْ عليه لكن يجب عليه أن يكره ذلك الذي وقع منه ولو كان قضاءً، ويجب عليه أن يسارع بالانسلاخ من آثاره بالتوبة والإنابة، فلا يُحِبُّ هذا العيب ولا هذا الذنب مع أنه قضاء ولا يرضى به؛ بل يسارع في تخليص نفسه منه.
وأما ما كان من قبيل المصائب التي يُصاب بها العبد فإنّ الرضا بها مُسْتَحَبْ غير واجب.
إذا أُصِيبَ بمصيبة فإنَّ الرضا بها مستحب، كما قال ﷿ ﴿وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، قال علقمة ﵀ (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم) (١) .
فالرضا بالمَقْضِيِّ الذي هو من المصائب مستحب لا واجب بالنظر إلى تعلّقه بالعبد وهو المَقْضِي.
أما بالنظر إلى تعلقه بالله فسواء كان من المصايب أو من المعايب فإنه يجب الرّضا عن الله ﷿ بأفعاله وصفاته ومحبة أفعال الله ﷿ لأنّ الله ﷿ يفعل ما يفعل عن حكمة عظيمة، كما قال سبحانه ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦-٤٧]، فالله ﷿ يقضي بحكمته ما يشاء، وله الحكمة البالغة، لا يُسْألُ عما يفعل وهم يسألون.
فإذًا تَلَخَّصَ من ذلك أنَّ ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ويتصل بهذا البحث، أو نطويه لأنه قد يطول علينا.
مباحث القدر طويلة ترجعون إليها إن شاء الله تعالى.

(١) انظر تفسير الطبري (التغابن:١١)

1 / 262