374

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

والثالث: أن يخرجه قوله إلى أن يهدم قاعدة من قواعد الإسلام.

فمن سلم من هذه الشروط الثلاثة وسعه ذلك، فمن ابتدأ بالبراءة من الطائفتين فهو أولى.

وأما خرق الخضر السفينة مصلحة أرادها لأصحاب السفينة، فلو لم يخرقها لذهبت السفينة كلها وأخذها الغاصب، لأن تخرق خير من أن تؤخذ.

ففعل الخضر من جهة العلم اللدني وأنكر عليه موسى من جهة الشرع، فكلاهما مصيب، والفضل للأفضل، فلما وقع العتاب عليه، اعتذر موسى وقال: (لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا) فأسعفه الخضر وقد تقدم النسيان وما فيه من وجه.

وأما خرق للسفينة لئلا تؤخذ، فإنه أراد في ذلك وجه المصلحة، لأن تخرق ويلزمها عيبها خير من أن تؤخذ غصبا، ففعل الخضر ما فعل على وجه المصلحة.

ومن هاهنا اقتبس مالك إجازة العقوبة بالأموال رأيا وقياسا على هذا الحال.

فإذا جاز فساد بعض الأموال استصلاحا لباقيها ولا ذنب بفسادها، استصلاحا لمولاها مع الذنب أولى، والنفس أولى صلاحا من المال، إذ النفس أصل والمال فرع، بقاء الأصل مع ذهاب الفرع أولى، ولا سيما أن ما ذكره الله تعالى من الشرائع الأولى فهو شرع لنا إلا إن أعقبه نسخ أو فسخ.

واستدل مالك على هذا المعنى بعبيد حاطب حين سرقوا ناقة أعرابي، فهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقطعهم، فدعا عمر حاطبا والأعرابي. فقال: (يا حاطب أجعت عبيدك حتى احتاجوا إلى أن يسرقوا أموال الناس). فقال للأعرابي: (كم بلغت ناقتك في السوق ؟).

فقال: (أربعمائة درهم). فأسدى حاطبا ثمانمائة، ثمن فيها الثمن عليه عقوبة، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «في حريسة الجبل قيمتها ومثلها معها».

وفي فتاوى المسلمين: أن من منع الحق وامتنع في قصره أو في حصنه أو في موضع لا يصل إليه المسلمون إلا بفساد الحيطان وهدم القصور والحصون، أن ذلك سائغ لهم حتى يصلوا إليه وينفذوا فيه حق الله.

Page 210