372

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدن علما). وذكرت أمر الخضر، وكيف ؟ وأنك شككت فيه، ولم يكن عندك علم بأنه الخضر.

اعلم أن الذي أتاه الله العلم من لدنه هو الخضر بإجماع الأمة مأثور عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أجمع على ذلك أصحاب الحديث الذين يروون عن رسول الله عليه السلام ويؤثرون ذلك.

وقال موسى عليه السلام للخضر: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا، قال إنك لن تستطيع معي صبرا).

واعلم أن الخضر قد أطلعه الله على العلم اللدني، فتكلم بعلمه في موسى فأصاب، وأجاب الخضر أيضا على غالب الحال: (إنك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا). فذكر العلة، لأن من طبع بني آدم أن لا يصبروا على ما لم يحيطوا به علما بعلمه، ولما لم يأتهم تأويله.

واستثنى موسى ولم ينفعه إلا في السلامة من الذنب، وإباحة القول فيما يأتي وإن خرج خلافه.

وقوله: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) فلم يذكر فتاه، فإذا ذكر الفاضل أجزى عن المفضول.

وقوله: (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا) فتكلم موسى بلسان الشريعة، وعمل الخضر بمقتضى العلم اللدني، وكلاهما مصيب، وليس لموسى أن ينتقض عليه فعله ولا للخضر أن يستجهله.

وهذه المسألة هي التي جرت بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عثمان ابن عفان.

وذلك أنهم افترقوا على ثلاث فرق:

فرقة عمار بن ياسر - رحمه الله - وأصحابه، مذهبهم في عثمان أنه باغ على المسلمين وظالم لهم حين استخلفوه وائتمنوه على دينهم ودمائهم وأموالهم وفروجهم، فأضاع الكل باستخلافه الفجرة الجورة الفسقة وائتمنهم على هذه الأمور وليسوا بأهل للأمانة على شيء منها. وضربهم أوتاد الجزيرة العربية ولما حولها من بلاد فارس والروم والسودان والبيضاء، وأصحاب عمار: علي ابن أبي طالب وطلحة والزبير وعامة المهاجرين والأنصار.

Page 208