371

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

ولست أعني به السمع الذي لا يجاوز الأصوات، فإن الحمار شريكه فيه، ولا قدر لما تشترك فيه البهائم، وإنما أريد به سمعا يدرك كلاما ليس بحرف ولا صوت ولا هو عربي ولا هو عجمي.

فإن قلت: هذه أعجوبة لا يقبلها العقل، فصف لي كيفية نطقها، وأنت كيف نطقت، وبماذا نطقت وسبحت وقدست، وشهدت على نفسها بالعجز ؟

فاعلم أن الكل ذرة في السموات والأرض مع أرباب القلوب امتزاجا في السر، وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى، وأنها كلمة تستمد من بحر كلام الله الذي لا نهاية له. و (لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لفند البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا).

ثم أنها تنادي بأسرار الملك والملكوت، وإفشاء السر لؤم، بل صدور الأحرار تنور الأسرار، وهل رأيت قط أينا على الأسرار للملك، قد يؤدي بخفاياه، فيؤدي على ملأ من الخلق.

ولو جاز إفشاء كل سر، لما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكوا ولا يضحكوا، ولما نهى عن إفشاء سر القدر قال: «إذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القمر فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». ولما خص حذيفة ببعض الأسرار.

فإذن منع عن حكاية مناجاة دارت في الملك والملكوت قلوب أرباب المشاهدات (2) مانعان: أحدهما استحالة إفشاء السر.

والثاني: خروج كلماته عن الحصر والنهاية.

ولكنا في المثال الذي كنا فيه وهي حركة القلم، تحكى نملة من مناجاتها قدرا يسيرا، يفهم على الإجمال كيفية انبناء التوكل عليه، ويرد كلماته إلى الحروف والأصوات، وإن لم يكن حروفا ولا أصواتا.

Page 207