370

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فالشمس والقمر والنجوم والمطر والغيم والأرض، وكل حيوان وجماد مسخرات في قبضة القدرة، تسخير القلم في يد الكاتب، بل هو يتمثل في حقك أن الملك هو كاتب التوقيع.

والحق أن الله هو الكاتب، كما قال الله - عز وجل -: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).

وإذا انكشف لك أن جميع ما في السموات والأرض مسخرات على هذا الوجه، انصرف عنك الشيطان خائبا، وآيس من مزج توحيدك لهذا الشرك، فيأتيك في المهلة الثانية وهو الالتفات إلى اختيار الحيوانات والاختيارية، ويقول: كيف ترى الكل من الله - عز وجل - وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره، فإن شاء أعطاك وإن شاء منع عنك.

وهذا الشخص هو الذي يجز رقبتك بسيفه، وهو قادر عليك، إن شاء حز رقبتك وإن شاء عفا عنك، فيكف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده، وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه ؟

ويقول: نعم، إن كنت لا ترى القلم بأنه مسخر، فكيف لا ترى الكاتب هو المسخر.

وعند هذا زلت أقدام الأكثرين إلا عباد الله المخلصين، الذين لا سلطان عليهم للشيطان، فشاهدوا بنور البصائر كون الكاتب مسخرا مضطرا، كما شاهد جميع الضعفاء كون القلم مسخرا.

وعرفوا أن غلط الضعفاء في ذلك كغلط النملة مثلا، لو كانت تدب على الكاغد، فترى رأس القلم يسود الكاغد ولم يمتد بصرها إلى اليد والأصابع فضلا عن صاحب اليد، وغلطت وظنت أن القلم هو المسود للبياض، وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة القلم لضيق حدقتها.

وكذلك من لم يشرح بنور اله صدره، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السموات والأرض مشاهدة كونه قهارا، ورأى الكل، ووقف في الطريق على الكاتب، وهو جهل، بل أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في السموات والأرض بقدرته، الذي أنطق كل شيء، حتى سمعوا تسبيحها وتقديسها لله، وشهادتها على نفسها بالعجز بلسان ذلق، تتكلم بلا حرف ولا صوت، لا يسمعه الذي هم عن السمع لمعزولون.

Page 206