364

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فإذا بلغ هذه المنزلة، رفع الله - عز وجل - الحجاب بينه وبين خلقه، وانكشف الغطاء عن قلبه في جميع ما أراد الله تعالى أن يحدثه في خلقه، آثره بعلم ذلك وخصه به، فكانت علومه من لدن الله - عز وجل - لا بواسطة من غيره، كما قال الله تعالى: (وآتيناه رحمة من عندنا)... الخ فكان لا يحتاج مع هذا العلم اللدني الذي أراد الله - عز وجل - الخضر إلى تعلم ولا تعليم، وصار مرآة للخلق، وقبلت ذاته صورة كل شيء، كالمرآة التي تقبل الصور.

فاستأثر موسى بعلم الشرائع، واستأثر الخضر بالعلم اللدني، وكان في الخلق مطلق اليد في جميع ما أراده، كعزرائيل في الأرواح، والروح الأمين في الشرائع، وميكائيل في الكائنات، وإسرافيل في الفانيات.

ومما يدل على ما قلنا أن الله - عز وجل - أخرج الخضر من حيز المكلفين ذوي الشرائع، فليس عليه إلا ما سنح في خاطره فعليه امتثاله، وليس عليه أن يأمرنا بالمعروف ولا أن ينهانا عن المنكر إذا رآهما منا، ولا دفع عن مظلوم، ولا قيام بحق معلوم.

فحاله كحالة الملائكة عليهم السلام، كما أن ليس على الملائكة من أمرنا ونهينا شيء إلا أن أرادوا ذلك وشاءوه إعلاما وإلهاما.

والإشارة إلى بعض علوم المكاشفات من قول الغزالي. قال: (أما بعد، فإن علم المكاشفة من العلوم التي تكون بين العبد وربه لا بواسطة، وهي الغاية القصوى للعباد. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن من العلم المكنون ما لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله، ولا يجهله إلا أهل الاغترار بالله، فلا تحقروا عالما آتاه الله علما، فإن الله لم يحقره إذ آتاه».

واعلم أن مراتب السباق إلى الله خمس: أولها: الإيمان، ثم الظن، ثم العلم، ثم اليقين، ثم المعرفة.

Page 200