346

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

فإن قال قائل: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لو أن عيسى عليه السلام حي بين أظهركم ما وسعه إلا إتباعي».

قيل له: نعم، إن عيسى بعث بالشريعة كمحمد عليه السلام ومن لعادة الآخر ينسخ الأول، فشريعة عيسى سبقت، وتأخرت شريعة محمد عليه السلام، لكن العلم اللدني ناسخ لو ورد.

ولنرجع إلى ما نحن فيه، فمن اقتصر من العارفين على اليقين كان من الموقنين المتقين.

ومن اقتصر على علم دون اليقين كان من العلماء الراشدين المخلصين.

ومن اقتصر على الظن كان من المؤمنين الممدوحين الذين ظنوا أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون.

ومن اقتصر على ما دون ذلك إلى القياس في الأفكار والوهم في الخيال، والخيال أصل الأطفال، كان من المهلين المغرورين، وهم شبه الأطفال أو شبه الرجال المغرورين من الجهال، فنظهرت منة الله تعالى على الأطفال أن أصحابهم الإيمان من حين ولادتهم إلى أن بلغوا حال الرجال، فمن مات منهم قبل البلوغ دخل لحرمة آدم عليه السلام، وبشفاعة إبراهيم عليه السلام، وبشفاعة المصطفى محمد عليه السلام لآدم وإبراهيم والأنبياء والملائكة والمؤمنين أجمعين، وبإيمانهم الذي سبق من عند رب العالمين من بطون أمهاتهم، أعاذنا الله من اخترام الشيطان وتضليل الآباء الضالين المضلين.

ومن مات من الرجال على دين الأطفال وسلم من أمهات المعاصي، كان من أهل الجنة البله الذين هم الأكثرون. قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أكثر أهل الجنة البله».

فإن قال قائل: أراك قد زعمت الإيمان بين الأطفال والرجال، وشاركتهم في الأعمال ولا أعمال للأطفال، وأني للأطفال بلوغ كنه الإيمان على أنهم غير مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين ؟

اعلم يا أخي أن الله تعالى جعل القلوب منطوية على الأذعان للعبودية في رقابهم من أول الصغر، واقتبسوه من تسليط آبائهم وتمكنت في قلوبهم ربوبية الرب وعبودية العبد، اقتبسوا ذلك من القياس السابق لهم إليهم.

Page 182