Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
فإن قوي يقينه قليلا انتقل إلى المعرفة، أقصى درجات بني آدم في المعارف معرفة الباري سبحانه، وصار في العارفين السابقين المقربين.
فمن بلغ هذه الدرجة زال العمى عن بصره والغطاء عن قلبه، وحصل في علم المكاشفة وهو العلم اللدني الذي فاق علم المرسلين والملائكة المقربين والأنبياء أجمعين.
فإن قال قائل: وهل في الخلق من يفوق علمه علم الملائكة والمرسلين وقد أرشدوا بالشرائع في إصلاح الخلق من عند رب العالمين ؟
قيل له: اجل، أن المرسلين إنما بعثوا في مصالح الفساد في الظاهر وبقي عليهم علم الباطن الذي استأثر الله به، إلا من خصه من عباده. وسيأتي لشرح ذلك وبيانه إن شاء الله بعد.
وسأنبهك بنكتة هنا: أن الخضر هل يلزمه من شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) شيء ؟ أم لا ؟
الجواب: أن الخضر ليس عليه من شريعة محمد عليه السلام شيء إلا علم نفسه اللدني الذي خصه الله تعالى به.
ومصداق ذلك: أ، من شريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس على الخضر من ذلك شيء، ولو رأى رجلا أراد أن يقصد رجلا ليقتله، فليس عليه أن يعرف صاحبه بما أراد به الآخر، ولا أن يدفعه عنه ولو قدر، ولا من سمعه يبتدع في دين الله تعالى أو يعبد الأصنام وينطق بالباطل أن ينهاه، ولا يعرف الناس بأهل البدع، أو يزجر أحدا عن معصية الله تعالى، أو يعرفه إذا جهل أمر الله تعالى.
فحاله كحال الملائكة المقربين، ومن وراء ذلك أن يكون كعزرائيل، من أراد موته أماته وقبض روحه، ومن أراد حياته أحياه، فهذه خاصية ليست للأنبياء ولا للمرسلين، إلا بعد الأمر من الله سبحانه، وهو مطلق اليد في جميع ما أراده.
وهذه النكتة شرح لجميع ما جرى له مع موسى عليه السلام، فهو يتبع طريقة الشرع أصاب أم أخطأ، والخضر اتبع العلم اللدني من رب العالمين، (صلى الله عليه وسلم).
Page 181