315

Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī

الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني

وأما قولك إن تنسى الباري سبحانه، فلم يستقم لأحد بعد معرفته إياه أن ينساه، لكن عمدا لا ذهولا، لأن العبد يتصرف بين خلق الله تعالى فلا يكاد يرى شيئا إلا تذكره وحصلت عند معرفة الله تعالى به، كما لا يستقيم من مضروب بالسياط أن ينسى الضرب وهو يتوالى على ظهره.

وكذلك آيات الله تعالى، لما علم الخلق البلوى بها أين ما تصرفوا والحاجة الماسة التي لا تفارقهم بعذر نسيانه، على أنه ذم الله - عز وجل - فاعل ذلك قال: (نسوا الله فنسيهم).

نسأل من ضيق من المسلمين في هذه عن أسئلة ثلاثة:

أولها: ما البرهان على ما قاله ؟ ولن يجده من كتاب الله تعالى ولا من سنة محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا من العقل.

والثاني: الأحكام، أن التشريك والكفر والقتل والسبي والغنيمة، ولا سيما في أمر مختلف فيه، أكثر الأمة على حطوطه، فإن يكاد فشاذ غير معروف في الصدر الأول، فإن كان تقليدا فبخلاف ما أشار إليه القرآن والسنة والرأي والعقل.

أما القرآن فقد أشرنا إلى ما فيه المعذرة للناس، والسنة كذلك. أما من جهة العقل: فإن الله تعالى لا يؤاخذ عبده بالضروريات، والنسيان أمر ضروري، قال الله - عز وجل -: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).

أما من جهة الشرع: فإنه روي عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيما يرويه عن ربه أنه قال: قال الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي فليظن بي ما شاء». فإن شدد على نفسه أمرا وسعه الله عليه شدد الله عليه.

فليس من العقل أن تأخذ بالشدة في أمر اختلف فيه العلماء ووسع لجميع فيه بالشدة، فيعاملك الله تعالى على تلك الشدة ولك عنه مندوحة، ولابد للباري سبحانه أن يسأل عبده هذه المسألة، من وسع ومن حظر. أما من وسع فقد أشرنا إلى ما في القرآن فيها والسنة.

وأما من شدد فالاختيار بيده فليظهر حجته ما دام حيا فهو الحزم، فإن كانت فليظهرها، وإن لن تكن فليقطع عنها، ويعامل الكريم بالكرم، ولا يعامله باللؤم.

Page 151