Al-Dalīl waʾl-burhān li-Abī Yaʿqūb al-Wārijlānī
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني
باب طبقات التائبين الأولى من الطبقات: فاسق لم يترك لله حرمة إلا انتهكها، ولا معصية إلا أتاها، من سفك الدماء المحرمة، وأكل أموال الناس ظلما، والربا، والفحش، والزنا، وشرب الخمر فما دونها.
ثم إن الله تعالى من عليه بالتوبة، فانخلع على ما كان عليه من المعصية، ورجع إلى الطاعة وإصلاح جميع ما سفك وأفسد وأكل بالقوة، وتأدية الأموال، وأعقب بعد الغفلة ذكرا، وبعد الكفر شكرا، وبعد الفساد صلاحا وبعد الهلاك نجاحا حتى الموت، فهذا قد انسلخ من اسم الفسوق والكفر إلى الإيمان والشكر، وجاهد غب الله حق جهاده بنفسه وماله لإصلاح حاله ومآله.
الثانية: من فقد أصحاب الجنايات والحقوق وأرباب الأموال بعد إصلاح ما أصلح، فهذا ينفق على المساكين جميع ما عليه من ذلك من الأموال والديات والحقوق، فيحيل أصحاب تلك الأموال على المساكين غدا يوم القيامة، كاللقطة من الأموال تنفق على الفقراء لأربابها.
الطبقة الثالثة: الناسي لما عليه من تبعات العباد وحقوقهم، فإن علم الله تعالى منه النية والاجتهاد، جعل أجور ما تصدق به في الدنيا لأرباب الحقوق وأحولهم عليها، لأن الله تعالى قال في كتابه حكاية عن أوليائه: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا).
فإن كانت له حسنات أخذوا منها، وإن لم تكن له حسنات تحملها عنه مولاه، وأدخله الباريء سبحانه الجنة بإيمانه وتوحيده لربه وحسن نيته.
الطبقة الرابعة: المعسر الذي لا مال له، فإن هذا يتحمل الله عنه جميع ما عليه من تباعات العباد وحقوقهم، ويترضى الله تعالى عنه جميع أهل الحقوق، بغرف يظهرها لهم في الجنة. ويقول: «من ترك لأخيه مظلمة كانت له عنده في الدنيا، فهذه الغرفة له، كما يجري لداود عليه السلام مع أوريا» والحديث معروف. ينبغي لهذا أن يكثر من ذكر الله تعالى في الدنيا وتكون له حسنات كثيرة، فترضى بها الخصوم، ويحسن إلى الناس ما استطاع، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ورضي له قولا.
Page 93