201

Daʿāwāʾl-ṭāʿinīn fī al-Qurʾān al-karīm fī al-qarn al-rābiʿ ʿashar al-hijrī waʾl-radd ʿalayhā

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري والرد عليها

Publisher

دار البشائر الإسلامية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

ولا ثالث لهما إلا رجلًا روى أخباره عن واحد منهما.
فأي الرجلين تراه في صاحب هذا القرآن حينما يجيء على لسانه الخبر الجازم بما سيقع بعد عام وما سيقع في أعوام، وما سيكون أبد الدهر، وما لن يكون أبد الدهر؟ ذلك وهو لم يتعاط علم المعرفة والتنجيم، ولا كانت أخلاقه كأخلاقهم تمثل الدعوى والتقحم، ولا كانت أخباره كأخبارهم خليطًا من الصدق والكذب، والصواب والخطأ. بل كان مع براءته من علم الغيب وقعوده عن طلبه وتكلفه، يجيئه عفوًا ما تعجز صروف الدهر وتقلباته في الأحقاب المتطاولة أن تنقض حرفًا واحدًا مما ينبئ به ﴿وإنه لكتابٌ عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد﴾ [فصلت: ٤١-٤٢] .
ولنسرد لك هاهنا بعض النبوءات القرآنية مع بيان شيء من ملابساتها التاريخية؛ لترى هل كانت مقدماتها القريبة أو البعيدة حاضرة فتكون تلك النبوءات من جنس ما توحي به الفراسة والألمعية؟
مثال ذلك:
-ما جاء في بيان أن هذا الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن قد ضمن الله حفظه وصيانته ﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [الرعد: ١٧]، ﴿ألم ترَ كيف ضرب الله مثلًا كلمةً طيبةً أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها﴾ [إبراهيم:٢٤-٢٥]، ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] .
أتعلم متى وأين صدرت هذه البشارات المؤكدة، بل العهود الوثيقة؟ إنها آيات مكية من سور مكية، وأنت قد تعرف ما أمر الدعوة المحمدية في مكة؟ عشر سنوات كلها إعراض من قومه عن الاستماع لقرآن، وصد لغيرهم عن الإصغاء له، واضطهاد وتعذيب لتلك الفئة القليلة التي آمنت به، ثم مقاطعة له ولعشيرته ومحاصرتهم مدة غير يسيرة في شِعب من شِعاب مكة، ثم مؤامرات سرية أو علنية على قتله أو نفيه، فهل للمرء أن يلمح في ثنايا هذا الليل الحالك، الذي طوله عشرة أعوام، شعاعًا ولو ضئيلًا من الرجاء أن يتنفس صبحه عن الإذن لهؤلاء المظلومين برفع صوتهم وإعلان دعوتهم؟ ولو شام المصلح تلك البارقة من الأمل في جوانب نفسه من طبيعة دعوته، لا في أفق الحوادث، فهل يتفق له في مثل هذه الظروف أن يربوا في نفسه الأمل حتى يصير حكمًا قاطعًا؟ وهَبْهُ امتلأ رجاء بظهور دعوته في حياته ما دام يتعهدها بنفسه، فمن يتكفل له بعد موته ببقاء هذه الدعوة وحمايتها وسط أمواج المستقبل العاتية؟ وكيف يجيئه اليقين في ذلك، وهو يعلم من عبر الزمان ما يفت في عضد هذا اليقين؟ فكم من مصلح صرخ بصيحات الإصلاح، فما لبثت أصواته أن ذهبت أدراج الرياح! وكم من مدينة قامت في التاريخ ثم عفت ودرست آثارها! وكم من نبي قتل! وكم من كتابٍ فقد أو انتقص أو بدل! وهل كان محمد ﷺ ممن تستخفه الآمال فيجري مع الخيال؟ إنه ما كان قبل نبوته يطمع في أن يكون نبيًا يوحى إليه ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمةً من ربك﴾ [القصص:٨٦] ولا كان بعد نبوته يضمن لنفسه أن يبقى هذا الوحي محفوظًا لديه ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلًا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦-٨٧]؛ فلابد إذًا من كفيل بهذا الحفظ من خارج نفسه، ومن ذا الذي يملك هذا الضمان على الدهر المتقلب المملوء بالمفاجآت؟ إلا رب الدهر الذي بيده زمام الحوادث كلها، والذي قدر مبدأها ومنتهاها، وأحاط علمًا بمجراها ومرساها، فلولا فضل الله ورحمته الموعود بهما في الآية الآنفة، لما استطاع القرآن أن يقاوم تلك الحروب العنيفة التي أقيمت ولا تزال تقام عليه بين آن وآن.
سل التاريخ: كم مرةٍ تنكر الدهر لدول الإسلام، وتسلط الفجار على المسلمين، فأثخنوا فيهم القتل، وأكرهوا أممًا منهم على الكفر، وأحرقوا الكتب، وهدموا المساجد؛ وصنعوا ما كان يكفي القليل منه لضياع هذا القرآن كلًا أو بعضًا كما فعل بالكتب قبله؛ لولا أن يد العناية تحرسه، فبقي في وسط هذه المعامع رافعا راياته وأعلامه، حافظا آياته وأحكامه، بل اسأل صحف الأخبار اليومية كم من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تنفق في كل عام لمحو هذا القرآن،وصد الناس عن الإسلام بالتضليل والبهتان والخداع والإغراء ثم لا يظفر أهلها من وراء ذلك إلا بما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، ذلك بأن الذي يمسكه أن يزول هو الذي يسمك السماوات والأرض أن تزولا، ذلك بأن الله ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]، والله بالغ أمره ومتم نوره، فظهر وسيبقى ظاهرا لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله) (١) .
١٢-لماذا يستبعد المستشرقون إمكانية نزول الوحي على النبي ﷺ عن طريق جبريل، مع أن كثيرا منهم يُسَلَّمُون بأبعد من ذلك؛ فهم

(١) النبأ العظيم، ص:٣٨-٤٧.

1 / 210