وعدة الملائكة الموكلة بتلك الأبواب، فعلى أي نظرية عقلية بنيت هذه المعلومات الحسابية، وتلك الأوصاف التحديدية؟ إن ذلك ما لا يوحي به العقل البتة، بل هو إما باطل فيكون من وحي الخيال والتخمين، وإما حق فلا ينال إلا بالتعليم والتلقين، لكنه الحق الذي شهدت به الكتب واستيقنه أهلها ﴿وما جعلنا عدتهم إلا فتنةً للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون﴾ [ص: ٦٩]، ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ [يونس: ٣٧] .
ج -أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية، ولكنها لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق:
وأما النبوءات الغيبية فهل تعرف كيف يحكم فيها ذو العقل الكامل؟ إنه يتخذ من تجاربه الماضية مصباحًا يكشف على ضوئه بضع خطوات من مجرى الحوادث المقبلة، جاعلًا الشاهد من هذه مقياسًا للغائب من تلك، ثم يصدر فيها حكمًا محاطًا بكل تحفظ وحذر، قائلًا: (ذلك ما تقضي به طبيعة الحوادث لو سارت الأمور على طبيعتها، ولم يقع ما ليس في الحسبان) . أما أن يبت الحكم بتًا، ويحدده تحديدا،ً حتى فيما لا تدل عليه مقدمة من المقدمات العلمية، ولا تلوح منه أمارة من الأمارات الظنية العادية، فذلك ما لا يفعله إلا أحد رجلين:
إما رجل مجازف لا يبالي أن يقول الناس فيه صدق أو كذب، وذلك هو دأب جهلاء المتنبئين من العرافين والمنجمين.
وإما رجل اتخذ عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، وتلك هي سنة الأنبياء والمرسلين،