سبحانه وخلقه من هذا أنه لم يرضى أن يتصرف فيه المملك إلا بالوقف عليه خاصة على شروطه بل قد ملكه بشرط أن يتبرع عليه به وقفاً.
وهذا تمليك فاسد ليس هو هبة وتمليكا أصلاً فإن أقل درجات الهبة أن يتمكن الموهوب له من الانتفاع بالموهوب ولو إلى حين وهنا لم يبح له الانتفاع بشيء منه قط ولو تصرف (فيه) (١) بشيء (لعده) (٢) غادراً ماكراً وليس هذا بمنزلة العمرى(٣) والرقبى(٤) المشروط فيها العود إلى المعمر (فإنه)(٥) هناك ملكه في الجملة وشرط العود وهنا لم يملكه شيئاً قط وإنما تكلم بلفظ التمليك غير قاصد معناه والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك بل هو استهزاء بآيات الله سبحانه وتلاعب بحدوده وقد كان لهم طريقان خير من هذا الخداع أحدهما أن يقفه على غيره ويستثني المنفعة لنفسه مدة حياته فإن هذا جائز عند فقهاء الحديث الذين يجوزون استثناء بعض منفعة المملوك مع نقل الملك فيه فيجوزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ويستثني بعض منفعته ويجوزون أن يقف
(١) في ق -- منه.
(٢) في م - بعده.
(٣) العمرى بضم العين المهملة وسكون الميم نوع من الهبة يقال أعمرته داراً أو أرضاً إذا أعطيته إياها وقلت له هي لك مدة عمري أو عمرك فإذا مت رجعت إلى: والاسم عُمري اشتقت من العمر. انظر المصادر التالية. تهذيب اللغات للنووي (٢/٤٢)، المغرب (٢/٥٨) جامع الأصول لابن الأثير (٨/١٧١)، مشارق الأنوار لعياض (٢/٨٧).
(٤) الرقبى بضم الراء وسكون القاف بعدها باء موحدة مقصودة نوع من الهبة يقال أرقبته داراً أو أرضاً إرقاباً إذا أعطيته إياها على أن تكون للباقي منكما وقلت إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي فهي لي والاسم رُقبى وهي من الرقوب والمراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه لتبقى له أي ينتظره. انظر تهذيب اللغات للنووي (١/١٢٤) المغرب (١/٢١٥) جامع الأصول (٨/١٧٢).
(٥) في غير الأصل فإنه.