371

ولعل هؤلاء كان السبب لهم في الاختلاف القياس على من مضى كالإمام المتوكل وصنوه أحمد بن القاسم فإنه جرى بينهما ما جرى وهما أخوان رحمان محرمان مما كان لا يظن أن يقع بينهما محجمة دم لقرابتهما وكبر سنهما، فلما وقع ذلك الاختلاف والاشتجار حتى أدى إلى الحرب والنزال ولم يسلم صنوه أحمد لأخيه إلا بالغلبة، ولكنه لما انحسم بسرعة لم يحصل بسببه من القبائل ما حصل في هذا الزمان الآخر[40/ب]. وكان اتفاق هذا في الزمن الآخر في سنين قاحطة وأسعار مرتفعة لم يكن مثلها مما سبق فيما كان جرى في الأيام الماضية، ولعل لهذا أسبابا وهو ما كثر في هذا الزمان من الجور من الولاة والزيادات في المطالب من غير مبالاة. ويقال: إنه ولى أنو شروان عاملا فأنفذ العامل إليه زيادة على الخراج ثلاثة آلاف درهم، فأمر أنو شروان بإعادة الزيادة إلى أصحابها وأمر بصلب العامل. وكل سلطان أخذ من الرعية شيئا بالجور والغصب، وخزنه في خزائنه كان مثله كمثل رجل عمل أساس حائط ولم يصبر عليه حتى يجف، ثم أوقع البنيان عليه وهو رطب، فلم يبق الأساس ولا الحائط. وينبغي للسلطان أن يأخذ الذي يأخذه من الرعية بقدر وأن يهب ما يهبه بقدر؛ لأن لكل واحد من هذين الأمرين حدا، ذكر هذا القضاعي في منهج السلوك، وقال أيضا في التوراة: كل ظلم علمه السلطان من عماله فسكت عنه كان ذلك الظلم منسوبا إليه، وأخذ به وعوقب عليه، وقال ازدشير : إذا كان الملك عاجزا عن إصلاح خواصه ومنعهم عن الظلم، فكيف يقدر على رد القوم إلى الصلاح، وقال الأحنف ابن قيس : شيئان لا تتم معهما حيلة إذا أقبل الأمر فليس للإدبار فيه حيلة، وإذا أدبر فليس للإقبال فيه حيلة، انتهى ما ذكره القضاعي، والله أعلم.

ولما اشتد الضرر لكثير من أهل مدينة تعز من أهل السوق والسماسر والجبارين خرجوا من تعز بأهلهم، وتركوا أعمالهم؛ لأنه صار أصحاب علي بن المتوكل يتدينون منهم، ولا يسلمون لهم القيمة بل يمطلونهم .

وفي نصف هذا الشهر دخل حسين بن أحمد بن الحسن من الغراس إلى صنعاء، وعرض عليه محمد بن المتوكل العزم إلى اليمن الأسفل، فأجاب بأن قد أرسل صنوه إسحاق ومن معه من العسكر، وعليه أعمال في بيوت والده بالغراس وحصن ذمرمر.

Page 682