358

وفي سلخ شهر شوال منها لما خرج أصحاب حسين بن حسن من يافع الداخلي برفاقة ابن هرهرة، واجتمعوا بحسين بن حسن بالحلقة اجتمعت يافع وقالوا: نقصد حسين بن حسن ونخرجه من حدود بلادنا. والحلقة هي حد بلاد يافع، فتعاقدوا جميعا على القتال كالمعاقدة الأولى، وقالوا: نحمل عليهم للقتال بأجمعنا، ولا نبالي بالبنادق، وأن من سقط منها ندعسه بأرجلنا، ونلاحمهم بالسلاح، ويروح من راح؛ فقصدوهم على هذه الإشارة والنية، وسلوا سلاحهم وفتئت رؤوسهم، واختلجت للقتال أجسامهم وقصدوهم. فكانت حملة عظيمة، ووقعة جسيمة، وقتل من الجانبين مقتلة شديدة بعد أن خرجت الخيل التي لحسين للمقاتلة والطعان بالرماح والمصاولة، وبنادق حسين تحميهم من الحلقة لمن حمل عليهم، والتحم القتال، وطال النزال ثم انقضى الحرب الأول على هذه المقتلة. وكان القتل في يافع أكثر في هذه المرة، ثم لما أصبح الصباح وظهر ولاح قصدوهم بزيادة قد جمعوها، ووفرة فيهم قد لقوها، منهم من يقول سبعة آلاف ومنهم من يقول أكثر، ولفوا عليهم وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر فكهلوهم . وانتهبت[31/ب] بيرق الخيالة بعد قتله وجماعة معه، وقتلوا فيهم أكثر من خرج من الحلقة عليهم، ثم انكسروا واحتازوا فيها، ولم يبق لهم طاقة على مقاتلتهم لكثرة جمعهم وعدم وصول غارة لحسين بن الحسن تعينهم، فلما أيس عن القدرة عليهم خاطب في الخروج عنهم وطلب الأمان، فبذل له الشيخ ابن العفيف، وهو يومئذ رأسهم والمتبوع فيهم. وخرج من الحلقة مكسورا مهضوما في الليل خشية من قبائل الرصاص؛ لأن قد صاروا في الطريق بعد إظهار الخلاف حتى وصل إلى الزهراء حد بلاد بني الرصاص، وكان قد وقع حرب ما بين الزهراء وبين نجد السلف بينهم وبين الغارة التي كانت وصلت إلى الزهراء من قبل صاحب صنعاء. وكان أيضا بعد ذلك الحرب الذي جرى قد وقع ما هو أعظم منه من الموجب للخذلان، وعدم تمام الغارة التي كانوا قد أرادوها لحسين بن الحسن من الحريق العظيم، والأمر الشديد الهائل الجسيم، وذلك أنه كان حسين بن المتوكل وأكثر أصحابه الذين ساروا معه نزلوا في دار هنالك لحسين بن الحسن. وكان قد وضع في سفال هذه الدار أحمال[32/أ] من البارود وبقت مطروحة في غرائرها وبعضها في مخزان فيها، فكثر الداخل والخارج من عسكر حسين بن المتوكل، والواصل منهم يصل إليها والفتايل مع بعضهم ملصاة ومنهم من يحكها في دهليز الدار بعد تعشريته، فلكثرة الناس وأكثرهم لا يعرفون ما في تلك الغرائر الملقاة فلم يحاذروا أحدا منهم عن شرار النار والفتايل ونحوها من الداخل والمار، فلعله في علم الله، اتصل من ذلك شيء من النار إلى أحد تلك الغرائر البارود فاشتل شلة واحدة، ونفض الدار نفضة هائلة بمن فيه من السادة والفقهاء والعسكر في ضوء النهار، أوان العصر عند أن صارت الشمس للإصفرار، على حين غفلة من أولئك الذين فيها، فكانت أعظم مصيبة وقعت عليهم بها. فقيل: أن جملة الذي حرق بالنار خمسمائة من سادة وفقهاء وعسكر وخدام، ومنهم سادة بني عامر وحسين بن المتوكل حرق أيضا، وخرج من جانب من الدار، وقد علق به شيء من النار[32/ب] فكان هذا الأمر العظيم......... من هذا الحريق هو الموجب لخروج حسين بن حسن من الحلقة، وطلب التأمين...... ومن الإدبار. والعلم السابق الذي سبق في هذا الأمر الذي فيهم صار أنهم وضعوا بأيديهم ما هو سبب إلى حتفهم وهلاكهم من البارود بأسفل الدار، مما يحاذره الناس ولا يضعوه قربهم ولا تحتهم لجميع الملوك في الأقطار لكنها {لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } وكيف يحاذر من دون البارود كوضع الأعلاف آحاد الزراع فإنهم يضعونه في مكان مفرد خشية من شرر النار، فأما البارود فهو أعظم في المحاذرة وأبعد في المجاورة، ولكن إذا حضر القدر عمي البصر، وقد يكون ذلك بحكمة الله عقوبة فيما جرى من حريق أصحاب حسين بن حسن لمن في أبين.

Page 669