وفي ليلة الأربعاء ثالث وعشرين شهر جمادى الأخرى منها مات الملك المهدي أحمد بن الحسن، بوطنه الغراس، وقبر جنب مسجده هنالك، وكان قد حصل له ما يهواه من الملك وهذه الدنيا الناهية، ابتسم له دهره من عبوسه، وأعطته الدنيا عفوها، وسقته صفوها، وماشته مع جماعة من أتباعه ومتقبلي باعه وأهل نعمته. وطابت له أيامه في مشيده ، وأطربه الأنس ببسطه ونشيده، وساعدته أيامه فيها من أول قيام المتوكل إلى هذا التأريخ. واجتمع له ما يريده فيها، فكان متوسعا مسرفا على نفسه في الجواري والسراري، بحيث بلغن إلى سبعمائة ما بين سرية ووصيفة وخدامة، لا يفارقهن في الحضر والسفر، وكان يلبسهن أغلى الملابس الغالية، ويشتري لهن الأحزمة والبريمات المفضضة المذهبة بأغلى الأثمان.
وكانت سيرته سيرة السلطنة، فأما العلم فلم يكن له فيه معرفة، بحيث أنه قبيل موته لما أقسم محمد بن المتوكل من الضربة أعتق عنه من مماليكه رقبة وأمر محمدا أنه يرجع إلى الضريبة وقد كفر يمينه، وبالإجماع أن الكفارة لا يصح التحمل فيها من غير الحالف، ولكن كان أصحابه يماشونه في مطابقة هواه[17/ب]، كما قال الصفي الحلي في ديوانه شعرا:
فصرت إذا خطيت جميل رأيي
أشير بما أرى فيه هواك
ولم أتبع خطاك لضعف رأيي
ولا أني أريد به رداك
ولكني أحاذر منك سخطا
Page 645