269

Iʿānat al-mustafīd bi-sharḥ kitāb al-tawḥīd

إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد

Publisher

مؤسسة الرسالة

Edition

الطبعة الثالثة

Publication Year

١٤٢٣هـ ٢٠٠٢م

إلى الله ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، والله يعلم ﷾ أن عيسى لم يقل هذه المقالة، وإنما هذا من باب التوبيخ لهؤلاء، ثمّ قال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ هذا تصديق للمسيح ﵇ على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، حينما يجتمع الأولون والآخرون يوم القيامة، فهذا مآلهم -والعياذ بالله-، وهذا موقف المسيح ﵊ في الدنيا والآخرة أنه عبد الله ورسوله، ليس له من الربوبية شيء، ولا يستحق من العبادة شيئًا، وإنما العبادة حق لله ﷾ وحده لا شريك، وإذا كان المسيح ليس له حق في العبادة، ومحمد ﷺ ليس له حق في العبادة، وجميع الرسل، فكيف بغيرهم من الأولياء والصالحين.
ففي هذا الحديث دليل على ما ساقه المصنّف من أجله، وهو أن الغلو في الصالحين يسبِّبُ كفرَ بني آدم وتركهم دينهم.
وفي هذا شفقته ﷺ بأمته، حيث حذّرهم مما وقعت فيه النصارى.
وفيه: النهي عن التشبّه بالكفار.
ثمّ قال ﷺ: "إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" "إنما" هذه كلمة حَصْر، أي: أن شأني ومكانتي أنني عبد الله ﷾، ليس لي من الربوبية شيء، والعبد لا يُغلى فيه ويُطرأ، ويُرفع فوق منزلته.
"فقولوا: عبد الله ورسوله" أرشدنا ﷺ إلى أن نقول فيه الكلام الواقع واللاّئق به ﷺ، وهو أنه عبد الله ورسوله. فدلّ هذا على أنه يُمدح ﷺ بصفاته من غير زيادة ومن غير نقص، وهي: العبودية والرسالة، والله جل وعلا وصف محمّدًا بأنه عبد في كثير من الآيات، في مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (١)﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، والمعراج في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)

1 / 273