376

المتعالي جل شأنه يكون وجودا صرفا ، فهو كامل صرف ، وأنه سبحانه عين جميع الأسماء والصفات الجمالية والجلالية . وفي الحديث «علم كله ، قدرة كله» .

وقد ثبت بالبرهان أن حقيقة الوجود ، في المرايا العالم عين جميع الكمالات ، وإنه لا يمكن البتة تجريد الكمالات من الوجود ، لكن ظهور الكمالات ، يكون بقدر سعة وضيق الوجود ، وصفاء وكدورة المرآة . ولهذا تكون كافة الكائنات الوجودية ، آيات ذاته تعالى ومرآة أسمائه وصفاته . وهذا الموضوع رغم أنه مبرهن عليه ، بل قلما تجد مسألة فلسفية تبلغ مستوى الموضوع المبحوث عنه هنا في الإحكام والقوة ، واتقان الدليل . فهو مطابق لمشاهدات أصحاب الشهود ، ومذاق أرباب المعرفة ، وموافق مع الآيات الكريمة ، وأخبار أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام . كما أشار كتاب الله سبحانه في عدة مواضع ، إلى تسبيح الموجودات بأسرها : «يسبح لله ما في السموات وما في الأرض» (1) «وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» (2) .

ومن الواضح جدا أن التسبيح والتقديس والثناء ، يتطلب العلم والمعرفة لمقام الذات المقدس للحق جل شأنه ، ومن دون العلم والمعرفة لا يمكن التسبيح والتقديس والتحميد .

وقد تولت الأحاديث بيان هذا الموضوع الشريف بكل صراحة ووضوح لا يقبل أي توجيه وتأويل . ولكن ذوي الحجاب والمحجوبين من المعارف الإلهية ، من أهل الفلسفة التقليدية وذوي الجدل ، قد أولوا كلام الله ، تأويلا باهتا ، فمضافا إلى أنه مخالف لظاهرالآيات الكريمة ونصوص القرآن الكريم ، يكون حديثهم بعض الموارد ، مثل قصة تكلم النمل في سورة النمل المباركة ، مخالفا للنصوص الكثيرة الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام ومخالفا لبراهين الحكمة القويمة أيضا . ولا يتناسب ذكر البراهين مع مقدماتها وحجم هذا الكتاب المختصر .

فتسبيح الموجودات للحق المتعالي يكون عن وعي وشعور . وفي الحديث عن الباقر عليه السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «إني كنت أنظر إلى الإبل والغنم . وأنا أرعاها وليس من نبي إلا وقد رعى الغنم فكنت أنظر إليها [ قبل النبوة ] وهي متمكنة في المكينة ما حولها شيء يهيجها حتى تذعر فتطير ، فأقول : ما هذا ؟ وأعجب حتى جاءني جبرئيل فقال : إن الكافر يضرب ضربة ما خلق الله شيئا إلا سمعها ويذعر لها إلا الثقلين (3) .

ويقول أهل المعرفة أن الإنسان أكثر الموجودات بعدا وحجابا عن الملكوت ما دام هو الاربعون حديثا :381

Page 380