Al-Wajīz fī fiqh al-Imām al-Shāfiʿī
الوجيز في فقه الإمام الشافعي
Editor
علي معوض وعادل عبد الموجود
Publisher
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
Edition
الأولى
Publication Year
1418 AH
Publisher Location
بيروت
= بتعظيمه، والوقوف عند الحدود المفروضة لإجلاله كل ذلك ينبّه النفس تنبيهاً عظيماً، ويحملها على ذكر الله والرهبة من قدرته، والخضوع لجلاله وعظمته، وفي ذلك أجلُّ المنافع وأعظم الخيرات.
وثانياً: تذكير المؤمنين بيوم الحشر الأكبر، والهَوْلِ الأعظم؛ لأنهم يفارقون الأهل والمال، ويتركون أماكن الاستيطان، ويحشرون في صعيد واحد منقطعين عن عَلاَئق الدُّنيا متندّمين على ما اجْترجُوا من السِّيئاتِ مستشعرين الرهبة والرغبة، يتساوى في ذلك عزيزهم، وذليلهم، ومطيعهم، وعاصيهم لا همّ لأحدهم غير الغفران، ولا غاية سوى رحمة الله.
وثالثاً: إيجاد أمتن الأسباب، لَنْيلِ رحمة الرحيم التوَّاب؛ لأنه إذا سَالَتْ الأودية بأقوام من حذافير المعمورة، وحُشِروا في جسدٍ واحدٍ، وبقلوب متجهة إلى الله بإخلاص، ووجوهٍ شاخصة بضراعة، وأيد مرفوعة برجاء، وألسنة مشغولة بابتهال، وظنون حسنة في أرحم الراحمين، وفيهم المصطفون الأخيار، والمقرَّبون الأبرار لا يخيّب الله لهم قصداً، ولا يمنعهم رفداً، ولا يحرمهم من رحمة تسعهم، وفضل يشملهم.
ورابعاً: نيل الموحِّدين فضل الرَّهْبانية التي ابتدعها من أهل المللِ السابقة ابتغاء رضوان الله من كفّوا عن الَّلَّذات، ورضوا بالضروري من الشهوات، وهجروا الأنس بالمخلوق طلباً للأنس بالخالق، فإن الحاج إلى بيت الله الحرام، كافٍّ عن الملذات، بعيد عن الشهوات، هاجر وطنه وذَويه، ومفارق صاحبته وبنيه، قاصد حرم مولاه، وطالب عفوه ورضاه؛ ولذا لمّاسُئِلَ الصادق الأمين عليه الصَّلاةُ والسلام عن الرَّهْبَانية والسِّيَاحَةِ في دينه، قال: ((أَبْدَلَنَا الله بِهِمَا الجِهَادُ وَالتَّكْبِيْرَ عَلَى كُلِّ بَشرَفٍ))، يعني بذلك: الحج.
وخامساً: تقليل ظُلم النّفوس، وكبح جماحها، وإيضاح ذلك أن الظلم من شيم النفوس، ومنعها منه أبداً شاق عليها، وتركها متوغّلة فيه مفسدة لا يحتملها الاجتماع البشري، ولا يقوى على رفعها إصلاح، فكان من الحكمة منع توغّلها في الظلم، وانقيادها للعدل، ولهذا خص الله أزمنة الحج، وأمكنته بمزيد الاحترام المفضى إلى تضعيف الثواب، وتغليط العقاب؛ ليكون الامتناع فيها عن الظلم والطغيان، والتمسُّك بالعدل والإحسان مؤدّياً إلى تقليل الظلم، وكبح جِمَاح النفوس، بل ربما كان ذلك سبباً لمنع كثير ممن وفقهم الله تعالى عن اقتراف الآثام أبداً؛ وذلك لسببين:
أولهما: أن تلبّس المرء بالأمر في بعض الأحيان قد يصيره عادة له، فإن امتنع الإنسان عن الجرائم في بعض الأزمنة أو الأمكنة؛ فراراً من تغليط الجزاء، صار ذلك له عادة مألوفة وسجيّة ثابتة.
وثانيهما: أن العامل العاقل يتجنّب إفساد عمله، يتمسَّك ما أمكنه، بكل ما يحفظه من تطرّق الخلل إليه، ويعلم المؤمن أن المعصية تبطل الطاعة، وأن الله نهى عن ذلك بقوله: ((يَا أَيُّهَا الذَّيْنَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنِّ وَالأَذَى)) إذا عمل في بعض الأزمنة، والأمكنة - طاعةً رجاء مُضَاعفة توابها، صَانَهَا عن الفساد بالمعصية، وتحوَّج عن اخراج السيئات، فكان ذلك داعياً إلى اجتناب المعاصي، والبعد عن الآثام.
وسادساً: إرشادهم بما يعانونه من ألم البُعْدِ، وعناء السفر، ومزايلة الَّلذَّاتِ إلى نعم الله عليهم من رفاهة الإقامة، والأنس بالأوطان، والأهل وَالأخْدانٍ، فيقومون بما يجب للمتفضّل المنَّان من الشكر في كل آنٍ ومكان.
وسابعاً: غرس الشَّفقَةِ والرحمة في قلوبهم بما يقاسونه أثناء ذهابهم وإيابهم من مشاقّ السَّفر ووحشة الغُربة فيعطفون على من مُنى بأمثال ذلك من الطَّرَّاق، وأبناء السبيل، ويقومون بحاجته، وما يسهل عليه قطع شُقِته، فيثبت في قلوب المسلمين بناء الألفة والمودّة، ويتمكّن منها حُبُّ المساعدة والمعاضدة، ويكونون إخواناً في الرخاء والشدّة.
وثامناً: إيجاد التعاضد والتأليف للمسلمين جميعاً؛ لأنه في ذلك الحرم الآمن يجتمع في زمن واحد من جميع أنحاء المسكونة أقوام متحدون في الدِّين، والهمّ، والمقصد إخوان في الله، رحماء بينهم يمكنهم إن شاءوا، وشاء =
248