247

Al-Wajīz fī fiqh al-Imām al-Shāfiʿī

الوجيز في فقه الإمام الشافعي

Editor

علي معوض وعادل عبد الموجود

Publisher

شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم

Edition

الأولى

Publication Year

1418 AH

Publisher Location

بيروت

كتاب الحج(١)


(١) الحجّ: بفتح الحاء وكسرها، لُفَتَانِ مشهورتان، وهو في اللَّغَةِ: عبارة عن القَصْدِ. وحكي عن الخليل: أنه كثرة القصْدِ إلى من تعظمه.

قال الجوهري: ثم تُعُورِفَ استعماله في القِصد إلى (مكة) للنُسك.

وقال الإمام أبو اليمن الكندي: الحج: القَصْدُ، ثم خصّ، كالصلاة وغيرها. يقال: رَجُلٌ محجوجٍ؛ أي: مقصود؛ قال المخيل السعدي: [الطويل] وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةٌ .. يَحُجُونَ سبَّ الزَّبرِقَانِ المُزَعْفرَا.

أي: يقصدونه

وقال ابن السِّكُيت: أي يكثرون الاختلاف إليه. هذا هو الأصل، ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله تعالى.

أنظر لسان العرب: ٧٧٩/٢، المغرب ١٠٣، المصباح المنير: ١٢١/١.

واصطلاحاً:

عرفه الحنفية بأنه: قَّصْد موقع مخصوص، وهو البَيْتُ، بصفة مخصوصة، من وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة.

عرفه الشَّافعية بأنه: نَّصْدُ الكعبة للنُّسُكِ.

عرفه المالكية بأنه: هو وقوف بـ عرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعاً، وسَعْى بين الصفا والمروة کذلك، على وجهِ مخصوص بإحرام.

عرفه الحَنَابِلَةٌ بأنه: قصدَ مَكَّة للنُّسُكِ، في زمن مخصوص.

أنطر: الاختيار: ١٧٧، نهاية المحتاج: ٢٣٣/٣، الشرح الكبير: ٢٠٢/٢، المبدع: ٢٨٣/٣، كشف القناع: ٣٧٥/٢. أسهل المدارك ٤٤١/١ الفواكه الدواني ٤٠٦/١ مجمع الأنهر ٢٥٩/١.

والعادة أن النفوس لا تنقاد إلا لأشياء لها حكمة معقولة، وفائدة معروفة، والشريعة الإسلامية من الشرائع المعقولة التشريع، إلا أن بعضاً من أحكامها أخفى الله عَنَا حكمته، ولم يظهر لنا سرّ تشريعه، وذلك، يعرف عند الفقهاء بالأحكام التعبدية.

وتكليف الله العباد بهذه الأحكام التعبدية؛ ليظهر كمال انقيادهم له، وخضوعهم لإرادته، حتى يستحقوا رضاه ومغفرته.

وليس بمستبعدٍ هذا فإننا نشاهد أمثاله بين الناس في كل يوم، فإذا أراد رئيس مثلاً أن يختبر إخلاص مرءوسيه، وحبّهم له أمرهم بفعل أشياء غير مفهومة ما فيها، ولا معروفة حقيقتها، وعندئذٍ يطيع المخلص طاعة عمياء، ویتبرَّم غيره.

فإذا ظهر هذا له، فإن الرئيس يجعل الأول محل عنايته، وموضع برّه وعطفه، ويترقب الفرص للإيقاع بالثاني. كذلك من غير تشبيه، ولا تنظير يشرع المولى جلّ شأنه أحكاماً خفيَتْ عنا فائدتها، ليظهر كمال انقياد بعض العباد، وخضوعهم واذعانهم، كما يظهر سخط غيرهم وألمهم وامتعاضهم.

من هذه الأشياء التعبدية الحجّ والعمرة، فإنه قد خفيت عنا حكمتها، وإن كانت في الحقيقة لا تخلو عن حكمة؛ لأن المولى جل شأنه لا يعبث، بل يستحيل عليه العبث، لكن العقل الذي لم يحجر الدين عليه، ولم يحرمه من البحث والاستنتاج اهتدى إلى أشياء يظنها حكمة، فمن الحكم التي اهتدى إليها العقل:

أوّلاً: حمل النَّفْسِ على تذكر الله، وخضوعها لعظمته، وجلاله، فإن رؤية شعائر الله تعالى والتزام الهيئات المشعرة =

247